هل من نبض حياة أم هو الموت؟
لا أرى غلوًّا ولا غنائيّةً في وصف إنتخابات 2009 بـ"المصيرية" أو "المفصليّة". إنّ الكثير سوف يتقرّر عند إقفال الصناديق في عشيّة الأحد من 7 حزيران. لكن حتّى لو جانب اللبنانيّون حسن الاختيار فسيبقى للتصحيح متسعٌ. ما عدا أمرٌ واحدٌ: مصير المسيحيّين في لبنان.
الخشية ليست على لبنان كدولة أو جمهوريّة بل الجزع، كلّ الجزع على محتوى هذا الكيان السياسيّ. هل سنبقى مواطنين أم سنصبح رعايا حجبت عنهم حقوق وحريّات تميّز بها لبنان القديم وبتنا سواسيّةً مع سائر رعايا الشرق. لم أقف على أحدٍ ينوي جرف لبنان في البحر. فأرض لبنان ستبقى. كذلك سيبقى نظامها الجمهوري فلم أسمع بحركة ملكيّة في لبنان. وحتّى فرص ضمّ لبنان سعيًا وراء وحدةٍ عربيّة تلاشت مع نهاية فترة الوحدات في الخمسينات والستينات من القرن الماضي. ثمّ إنّ سوريا، المهيّئة إديولوجيًّا للوحدة والتي أتيح لها ثلاثين سنة من السلطة على لبنان، تبيّنت مصلحة إقتصاديّة وسياسيّة ودبلوماسيّة لها في إبقاء لبنان مستقلاً ولو فارغ المحتوى.
فلا قلق إذًا على لبنان ككيان سياسيّ. ولا خوف، في المدى البعيد، على الحقوق والحريات ولو إنتكست مرحليًا ذلك إنّ مسيرة العالم الحديث تخطو نحو تعزيز هذه الحريّات. فمّما نخاف إذًا؟
الخوف الجدّي هو ذاك المتّصل بفراغ لبنان من مسيحيّيه. فإن تركوه فلن يكون لاستعادتهم سبيلاً.
هنا أيضًا يمكن إعمال المنطق الصارم المنزّه عن الرغبات والإشارة إلى أنّ تاريخ البشريّة يشهد على الدوام ديناميكيّة للشعوب قوامها الانتشار والتقلّص. جلاء المسيحيّين عن لبنان ليس بالكارثة فما هو إلا سنّة من سنن التاريخ.
صحيح. إلا أنّ تقلّص دور المسيحيّين سيقوّض، لبعض الوقت، الحقوق والحريات في لبنان. ودليلي هو أنّ حقوق الإنسان – الشخص الإنساني – وحريّاته، والتداول السلميّ للسلطة، وحكم القانون، هي إنجاز لحضارةٍ واحدة من حضارات العالم، الحضارة الغربيّة، وكان المسيحيّ أقرب لقبولها من غيره وأداة إدخال هذه المفاهيم إلى لبنان فتكون منيعةً بقوّته وتتقلّص بضعفه، وتُهدّد بزواله.
ليس ضعف المسيحيّين في لبنان بحدثٍ طارئ، بل هو سلسلة من مواقف لهم تتّصل بإنشاء لبنان. فلنبدأ حيث يحسُن بنا البدء.
قيام الجمهوريّة اللبنانيّة – لبنان الكبير كما دُعي حتّى منتصف الثلاثينات من القرن الماضي – كان، وأستعير وصف الدكتور سليم الصايغ، "مغامرة". للمرّة الأولى يقوم مجتمع سياسي- قانوني على مبدأ المساواة التامّة بين المسلمين وغير المسلمين على ما تعارف عليه الفقهاء بـ "دار الإسلام". مغامرةٌ شكّك في نجاحها البعض وحذّر من مغبّتها. وحاول تلطيفها آخرون وعارضها بشدّة المسلمون. الميجور "يال" من بعثة "كيغ-كراين" نبّه من توسيع حدود المتصرفيّة شفقةً منه على مصير المسيحيّين. "روبير دو كي" في المفوضيّة العليا الفرنسيّة حاول ثني عزم البطريرك الياس الحويّك "ستكون دولتكم غير ممكنة الحكم أو ستفقد طابعها المسيحيّ" لم يكن المسيحيّون الآخرون أقلّ تمسّكًا بحقوقهم في المساواة لكنّهم كانوا أكثر حذرًا. خلق دولةٍ ذات أكثريّة مسيحيّة سيثير حفيظة المسلمين. لم لا نتمسّك بمبدأ المساواة القانونيّة في إطار دولةً ذات أكثريّة إسلاميّة؟ ذاك كان موقف المسيحيّين الذين انضمّوا للقوميّة العربيّة نادوا بها ونشطوا لها. وأيضًا موقف أنطون سعادة والقوميّون السوريون.
لكنّ الأمور انسابت نحو مجرًى آخر. فقد فاز البطريرك الحويّك وتحقّقت نبوءة دو كي.
ففي 89 سنة منذ 1920 لم ينعم لبنان بالأمن إلاّ في ظلّ وجود أجنبيّ غالبًا ما يكون إحتلالاً- فرنسي، سوري، إسرائيليّ، قوّات دوليّة – يتخلّلها استقرارٌ داخليٌّ مؤقّت ثمنه على الدوام تقويض سيادة الدولة عبر اتّفاقيّاتٍ تنساق إليها مع قوى ثوريّة- فلسطينيّة- حزب الله- تؤسّس لدورة عنفٍ جديدة ضحيّتها، بالدرجة الأولى المسيحيّون. فقد عرف المسيحيّون طوال عقودٍ التهجير والهجرة، الاقتتال والقتل، القوقعة والحصار. وعرفوا أيضًا محاولات اغتيال قياداتهم واغتيال بعض خيرة رموزهم حتّى أُنهك الجسم المسيحيّ ويقف اليوم على عتبة الزوال.
لعلّ أوضح سمةً لتراجع المسيحيّين مقارنة مركزيّتهم في السابق وهامشيّتهم الآن. فمنذ العشرينات وحتّى إندلاع الحرب عام 1975 دارت السياسة اللبنانيّة حول محورين كلاهما مسيحيّ. إميل إده وبشارة الخوري، الكتلة الوطنيّة والحزب الدستوري، شمعون وشهاب، الحلف والنهج. لكنّ انتهاء الحرب بهزيمة المسيحيّن أفقدتهم قطبًا من القطبين واحتفظوا بقطبٍ ولو بدا معطّلاً بوجود الدكتور سمير جعجع في السجن والعماد ميشال عون في المنفى. إنّ الهزيمة العسكريّة تبرّر فقدان المسيحيّين قطبًا، لكنّ تخلّيهم عن الموقع الآخر واختيارهم الالتحاق كحليف ثانوي بكتلةٍ شيعيّة وكتلةٍ سنيّة أمرٌ أجد صعوبةً في فهمه ناهيك عن قبوله. بهذا التنازل بات مسيحيّو لبنان كسائر مسيحيّي الشرق يختارون من بين معطيّين كلاهما إسلاميّ.
لم يترك هذا الانهيار الكبير للمسيحيّين سوى القنوط واليأس والهجرة واستجداء حقّهم في البقاء. تأخذ المحاولة العبثيّة لاستجداء حقّهم في الوجود نمطين كلاهما مغلق وموصد: إتّفاقيّة الطائف وورقة التفاهم.
يفخر مهندسو اتّفاقيّة الطائف أنّهم حرّروا المسيحيّين من وطأة العدد وذعر الأرقام. ألم ينتزعوا من الآخرين مبدأ المناصفة؟ يمكن الدفاع عن المناصفة والمسيحيّيون 40% كما بدوا على لوائح الشطب في الانتخابات الحاليّة. لكن هل تصمد بعد عشرين سنة عند تدنّي عدد المسيحيّين إلى 25% ماذا بعد أربعين سنة؟ هل يمكن المطالبة بالنصف لـ5% أو نحوها؟ لا تبدوا المناصفة منيعة الجانب إذ نسمع منذ الآن من يطالب بالمثالثة.
ورقة التفاهم بين التيار الوطني الحرّ وحزب الله وهمٌ آخر أملته حاجة حزب الله إلى سلّم يتسلّق به إلى الحكم. ألا نعتبر بتجربة الثورة الإسلاميّة في إيران. ففي الأعوام السابقة لانتصار الإمام الخمينيّ أنشأ حلفًا واسعًا ضمّ جميع الألوان السياسيّة في ماعدا طبعًا الشاه. كان بينهم الشيوعيّون والليبراليّون والعلمانيّون والمصدقيّون ومراجع شيعيّة عليا. حتّى إذا استلم الإمام المقاليد أطلق يد آية الله صادق خلخالي يصدر من منصّة محكمته الثوريّة أحكام إعدامٍ دون حساب يعقبها التنفيذ الفوريّ. بعد إعدام وزراء الشاه وأركان دولته وقيادات جيشه إبتدأ آية الله الخميني بالتخلّص من حلفائه فحُكم صادق قطب زاده وابراهيم يزدي بالإعدام ونُفّذ بهما الحكم. كما أطيح بمهدي بازركان واغتيل شابور بختيار في باريس، وفرّ رئيس الجمهورية أبو الحسن بني صدر بثياب النوم وهو من وصفه الإمام الخميني سابقًا بـ"ابني الروحي". ووضع آية الله علي حسين منتظري، وكان قبلاً خليفته الرسمي، في الإقامة الجبريّة. مصير آية الله العظمى كاظم شريعتمداري لم تكن أرحم إذ خُلع وهو شيخٌ طاعنٌ في السن من منصبه وأُلزم بالإقامة الجبريّة حتّى وفاته. نتساءل هل ضمانةً لـ "قَلِفٍ" هي اشد الزاما مما حُجب عن أئمة الشيعة وأعلام النضال في إيران؟
في هذا البسط للسجل المأساوي لتجربة المسيحيّين صحوات لهم مفاجأة قلبت الموازين: "الثورة المضادة" 1958 التي أطاحت برشيد كرامي ثم هناك الحلف الثلاثي 1968 وأيضًا تحوّل المجتمع المسيحيّ إلى مجتمع محارب منذ 1975 وطوال الحرب اللبنانيّة. الحماية الشعبيّة للعماد عون في بعبدا 88 – 90، مقاطعة إنتخابات1992. وبعدها في العام 2005 انتخاب المسيحيّين بكثافة لرمز الحرية آنذاك.
السؤال الملحّ الآن. هل بقي نبضٌ في الجسم المسيحيّ؟ أم إنّه استسلم إلى الموت؟ لا يندر أن يؤدّي القنوط والخيبة إلى الاستسلام. يصف ستيفن رانسمن الوضع النفسي للمسيحيّين قبيل سقوط القسطنطينيّة بأنهم: "فقدوا رغبة البقاء أحرارًا". هل مسيحيّو لبنان كمسيحيّي القطسطنطينيّة أم مازالوا يتمسّكون بالحريّة؟ هو سؤالٌ على قدرٍ من الضبابيّة ستنجلي يوم 7 حزيران. فإن انساب المسيحيّون بأكثريّتهم للتصويت ضد مشروع حزب الله تبيّن لنا نبض حياة في الجسم المسيحيّ. أمّا إن صوّتوا لحزب الله بصيغه المختلفة، كنّا أمام مسيحيّين إختاروا من فرط عنائهم المسكنة وجوار الله وذمّة رسوله والمؤمنين.
مرّ عليّ ثلاثة شبّان، نجار ومعلم ألمنيوم وأحد خريجي الجامعة اللبنانيّة ابتدأ عمله منذ شهرين في شركة إريكسن للاتصالات، بغية توجيهي وإرشادي لأحسن الانتخاب. إستفاض زوّاري في التأكيد على فوز التيّار الوطني الحرّ بما لا يقلّ عن 40 مقعدًا، ولم يفتهم التأكيد على أنّ ورقة التفاهم ضمانة نهائيّة لا عودة عنها تحمي الوجود المسيحيّ. لكنّ خريج الجامعة، أكثر الثلاثة بلاغةً، أفشى أنّه تقدّم بطلب هجرة إلى السفارة الكنديّة في دمشق.
وائل خير
محاضر جامعي في القانون الدولي والديمقراطية وحقوق الإنسان