|
لايسندام، البلدة الوادعة في لاهاي التي يهتم ابناؤها بما إذا كانت إدارتها البلدية ستهتم بإضافة طرقات خاصة للدراجات الهوائية، وبما إذا كانت ستُطوِّر المتحف القائم فيها. هذه البلدة لم تعُد وادعة منذ يوم أمس بل اقتحمتها الصفحات الاولى في كبريات الصحف والمجلات العالمية والوكالات ومحطات التلفزة والمواقع الالكترونية الإخبارية، بعدما انطلقت من أحد مبانيها التاريخية محاكمة العصر في جريمة العصر.
***
المبنى كان مقراً للمخابرات الهولندية، والقاعة التي تجري فيها المحاكمات كانت صالة العاب رياضية، تحوَّلت إلى قاعة محكمة، وشهدت سابقاً محاكمة رئيس ليبريا تشارلز تايلور، وأمس بدأت تشهد محاكمة متهمين في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وواحد وعشرين آخرين والجرائم التي سبقت والتي لحقت.
***
صفحةٌ جديدة من التاريخ بدأت تُكتَب، وصفحةٌ جديدة من المستقبل بدأت تُرسَم.
التاريخ هذه المرة لن يُكتَب بوجهات نظر، بل بأطنان من الوثائق والمستندات التي لا تترك للشكوك وللتشكيك اي مكان، وهي وثائق ومستندات ليس فيها تركيب ملفات لأن المحكمة تعمل تحت أنظار الامم المتحدة بالإضافة إلى ثمان وعشرين دولة تشكِّل الدول التي تموِّلها، وهي كلَّفت حتى الآن ما يفوق المئتين وخمسين مليون دولار، فهل يُعقَل أن يكون كل ذلك ولا تكون المحكمة جديَّة؟
***
لبنان في لايسندام كان لبنان الحقيقي النابع من جوهر المعاناة اللبنانية: أهالي الضحايا والمتضرِّرون ما إن وطأت اقدامهم قاعة المحكمة حتى رددوا في قلوبهم بصوت واحد: الله كبير ومهما تقلَّبت الايام والظروف فإن الحقيقة لا يمر عليها الزمن.
***
الأهم من كل ذلك ان حضور أهالي الضحايا في لاهاي هو تأكيد على انهم يريدون العدالة لا الانتقام، وهذا ما أكد عليه الرئيس سعد الحريري، سواء لدى لقائه اهالي الضحايا عند وصوله إلى لاهاي أو لدى لقاءاته الإعلامية.
***
أمس بدأ فصلٌ حاسم من مسار المحكمة:
قنبلة العدالة الدولية فجَّرتها المحكمة بإعلانها أن اللحظات الاولى لمشهد اغتيال الحريري هي جحيمٌ من صنع الإنسان.
***
مُذهِلٌ ما شهدته قاعة المحكمة أمس:
وقائع بأدق التفاصيل التي لا تترك مجالاً للتشكيك.
لا وجود لأحمد أبو عدس، إلا في شريط الفيديو، فمقارنة الحمض النووي المأخوذ من الانتحاري، مع الحمض النووي لوالدة أبو عدس وأخته، لم تُظهِر أي تطابق، ما يعني ان شريط أبو عدس كان للتضليل.
العبوة فُجِّرَت يدوياً وليس عن بعد لأن موكب الحريري كان مجهزاً بمعدات تشويش وكانت شغَّالة، فاستخدم الجناة الاسلوب اليدوي لتفادي التشويش.
***
هذه عيِّنة من الوقائع التي شملها القرار الاتهامي، وانطلاقاً منها، ومن غيرها، في قرارٍ إتهامي يمكن وصفه بأعلى درجات الحرفية والتخصص والمهنية، فإنه يمكن القول إن ما بعد يوم 16 كانون الثاني 2014 لن يكون بالتأكيد كما قبله، لقد وُضِع لبنان على خارطة العدالة الدولية ولن يكون بالإمكان محوه عنها.
داخل قاعة المحكمة قرارٌ إتهامي موثَّق وفي خارجها مَن لفظ الحكم ولكن بتعالٍ على الجروح لأنه يريد العدالة لا الثأر أو الإنتقام، إنه الرئيس سعد الحريري الذي تكلَّم باسم الغالبية العظمى من اللبنانيين لا باسم نصفهم أو أقل بقليل أو أكثر بقليل.
في الخارج إجتمع أهل الشهداء والشهداء الأحياء وهذا ما بيَّنته كلمة الرئيس الحريري، الذي وصف اليوم الاول من جلسة المحكمة بأنه يوم تاريخي بامتياز، والرئيس رفيق الحريري كان حاضرا بقوة وكل الشهداء الذين قضوا معه، وكل الشهداء الذين سقطوا من بعده.
وفي ما يُشبه التأكيد على ان العدالة لا تعود إلى الوراء، أعلن الحريري أن المحكمة الدولية لأجل لبنان انطلقت، ومسار العدالة لن يتوقف. ولا جدوى بعد اليوم من اي محاولة لتعطيل هذا المسار. وإن حماية المتهمين بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه والإصرار على عدم تسليمهم الى العدالة، هو جريمة مضافة إلى الجريمة الأساسية الكبرى.
***
إذا كان اليوم الاول هكذا، فماذا عن الأيام التي ستلي؟ ماذا عن مئات الشهود الذين سيُدلون بشهاداتهم؟
لقد دخل لبنان عصر العدالة، ولن يخرج منه إلا معافى بعد انتهاء المحاكمات ولو بعد حين.
|