#adsense

أدمون رزق والكلمة في وطن جريح

حجم الخط

أدمون رزق والكلمة في وطن جريح

في هذا الزمن الرديء تمر في سماء الوطن غيوم سوداء تنذر بأيام عصيبة. وفي هذه المرحلة التي يسمونها مرحلة انتخابية غدت مرحلة للشتائم والكلام البذيء الذي يفرّق والذي يهدم ولا يبني والذي يشعل نار الحقد لا طلب الحوار والذي يقيم التعصبية البذيئة من قبورها ويشحن الطائفية من مجاريها، كأنهم لا يدركون إن لبنان هو هذه الرقعة الجميلة من الارض الطيبة المعطاء وانه بلد الفكر والثقافة والحوار. إن لبنان هم اللبنانيون اينما حلوا وكانوا والى اي مذهب او طائفة انتموا وانه باتفاقهم يكون وبانشقاقهم لا يكون.

غير ان ما لفتت نظري ودعت قلمي الى الكتابة هي مواقف ادمون رزق الوطنية النبيلة والشريفة والتي لم تنطق بكلمة واحدة في حياته تسيئ الى السياسيين الذين اتحاشى ان اسميهم خصومه لانني ادرك تماما ان ادمون رزق لا تستهويه هذه الكلمة وذلك تأكيدا لعقيدته وعدم تفريقه بين اللبنانيين على اختلاف طوائفهم واحزابهم وميولهم.

إن ادمون رزق الذي لقيته منذ ستين ونيف من السنين ونحن على مقاعد الدراسة الثانوية في مدرسة الحكمة وجدت فيه الوطني الوفي والمنفتح على اللبنانيين كافة دون تمييز وهكذا بقي واستمر. انه ينتمي الى لبنان واحد موحد، وهو بعيد عن التعصبات الطائفية والحزبية التي شاهدتها وتشاهدها بلادنا الامر الذي يجعل لبنان بل جعله ضعيفا وعرضة للتدخلات الخارجية وجعلني اقول: إن الدول الضعيفة هي كالسمك الصغير معرضة دائما للابتلاع.

إن ادمون رزق هو اديب ولغوي كبير وخطيب لامع ومحام صادق. وهو نائب ناجح ووزير في ثلاث حكومات (التربية الوطنية والاعلام والعدل والمواصلات). وهو، في النيابة او الوزارة، لم يكن ينتسب في عمله الى حزب معين او الى طائفة معينة؛ وقد اثبت ذلك في اكثر من مرة: واحدة برفضه تعيين قضاة وموظفين طائفيا بل عين اللبناني المناسب في المكان المناسب دون النظر الى طائفته او حزبيته او الوقوف عند المراجعات التي كانت تصل اليه.

تابعت سيرة حياته اديبا ومحاميا ونائبا ووزيرا وسياسيا فاذا هو هو: لبناني لا يفرق طائفة عن اخرى كما شاهدته ممثلا لبنان في عواصم عربية وغربية، كنتُ فيها سفيرا لبلادي، وكان همه الاوحد في خطبه او مداخلاته المحافظة على استقلال لبنان وان لا يصار الى اي تفرقة بين اللبنانيين على اختلاف طوائفهم وآرائهم.

لم يكن ادمون رزق، منذ شبابه، يكتب مقالاته او يلقي خطبه الرائعة في المناسبات الاسلامية او المسيحية لترضية هؤلاء او اولئك، بل هو القائل: "إن علاقتي بالاسلام قديمة اكتسبتها من اجواء بيتنا في جزين، وقد نشأتُ في كنف أب شاعر ومفكر، وطني مؤمن وانسان مرهف، منفتح ومحب، له صداقات وانساب روح، مع نخبة قوم، في طلائعها مسلمون يجاورون مسيحيين". فلا غرابة ان يغدو هذا الصديق الوطني المسيحي المؤمن خطيب عاشوراء وخطيب المناسبات المسيحية لان دماء محبة الوطن تجري في عروقه منذ تربيته البيتية، وفي قناعته التامة أن اللبنانيين هم اخوة لا فرق عنده بين طائفة واخرى. هكذا عرفته وهكذا استمر وهكذا سيبقى.

إن المجال لا يفسح لي لاعود الى كل ما كتب وقال بل اكتفي بما شهد به كبار من رجال دين وغيرهم، وبما جاء في كلمة العلامة الشيخ محمد جواد مغنيه بعد قراءته مقالة كتبها ادمون رزق في جريدة "العمل" تاريخ 4 حزيران 1963 لمناسبة عاشوراء، فقال: "يوضح فيها رسالة الامام الشهيد الحسين بن علي بن ابي طالب ويشيد ببطولته وعظمة اهل البيت، وقارن بين تضحية السيد المسيح واهدافه، وبين نهضة الحسين وفوائدها، واثبت بشواهد التاريخ وارقامه انهما يلتقيان اشياء واشياء، وضرب للناس الامثال المبالغة في التضحية والفداء من اجل احقاق الحق، وابطال الباطل، ورفض التساهل والمهادنة مع النفعية والانتهازية، ولو ادى التشرد والتصلب في الحق الى ذهاب النفس والاهل والمال".

والمعلوم ان ادمون رزق ختم كلمته تلك لمناسبة عاشوراء موجها كلامه الى المسلمين بقوله: "انتم مؤمنون بالله وبلبنان، ونحن وانتم لا نشرك، موحِّدون". وكم كنت سعيدا معه عندما اطلعني الصديق ادمون رزق على رسالة الامام السيد موسى الصدر الموجهة اليه وفيها شكر على ما يكتب ويقول ودعوة الى لقاء.

إن ادمون رزق هو رجل الجمع ولا يفرق وقد التقينا معا. اما ادمون رزق الانسان فهو قامة خلقية لا تضاهى ولم يتغير ويرفض فرز اللبنانيين. لقد تكلم عن "وقفاته في مناطق لبنان كلها، من الجنوب الى البقاع، ومن العاصمة والضاحية الجنوبية الى الجبل والشمال، وعن مقالاته وتعليقاته في المناسبات الاسلامية والمسيحية الكريمة وقدمها عربون ثقة بالشراكة الانسانية، وايمان بالاله الواحد، الضابط الكل، والرحمن الرحيم". لقد قرأت خطبه في "عاشوراء" وفي "فتح مكة" وفي "عيد الغدير"، وفي "الهجرة والعودة"، وتكلم في "هلال رمضان" وفي "قمة عرفات" وفي "رمضان لبنان" وفي "الفطر عيد وطني" وفي "الآيات البيّنات".

واخيرا ما احوجنا اليوم الى العودة للتعاليم السماوية، الى سير الانبياء والرسل واقوالهم، الى مناهل الدين الذي يجمع ولا يفرق. فالدين هو صلة الانسان بخالقه. وهو التعامل البشري. ألم يقل الرسول العربي الاكرم: "يا ايها الناس. ان الرب واحد وان الدين واحد". وفي حديث ثابت قال: "ليس منا من دعا الى عصبية. وليس منا من قاتل على عصبية. وليس منا من مات على عصبية". ومنذ اكثر من اربعة عشر قرنا أوصى محمد بقوله: "لا تغدروا، ولا تفلوا، ولا تقتلوا وليدا ولا امرأة ولا شيخا فانيا ولا منعزلا بصومعته. ولا تحرقوا نخلا ولا تقطعوا شجرا ولا تهدموا بيتا". فمَن علّم بني قومنا القتل والحرق والتدمير؟ مَن علّم ابناء شعبنا التقاتل والتذابح والتشنيع؟

وختاما لا يظنن احد انني، ابن المتن الشمالي، استطيع ان ادلي بصوتي واصوات عائلتي الى الصديق ادمون رزق في جزين، بل هي كلمة حق اقولها تأييدا لمواقف ادمون رزق الوطنية ودحضا للتعصب اللعين والطائفية البغضاء من مسيحي مؤمن دعا منذ شبابه الى "المشاركة في الاسلام".

المصدر:
النهار

خبر عاجل