يبقى أنّنا أمام حزب يستدعي من كل من يقاربه استحداث أنماط من التمييز الافتراضي غير المتناسبة حقاً مع الواقع المعاش داخل هذا الحزب والذي هو أقرب ما يكون الى الدمج بين من يوصفهم الاتحاد الأوروبي جناحين متمايزين، وبين من تميزهم المحكمة بأفراد متهمين وبين حزبهم غير المتهم ككل.
لكن المفارقة تكبر عند التذكير بأنّ الحزب يرفض تسليم المتهمين، ولو بعد ثلاثة قرون كما يقول زعيمه، وبالتالي هي محكمة دولية توجه تهماً ليس فقط لعناصر متوارية عن أنظار العدالة، وإنما عناصر متحرّكة ميدانياً. ثم تزيد المفارقة بالتذكير بأنه في اللحظة الذي يوجه فيه الادعاء تسلسل التهم المدعم بالأدلة ضد باكورة المتهمين في القضية، فإن “حزب الله” المتهم عناصر أساسيين فيه حالياً من محفل قضائي دولي، إنما يتعاطى “مكافحة الإرهاب” في مواجهة “الخطر التكفيري” كما يقول، ويكاد لسان حاله أن يقول إنه “يحمي لاهاي” نفسها من الخطر التكفيري!
لكن “حزب الله” حقيقة هو حزب واحد موحد بما فيه الكفاية. ليس فيه جناح سلمي وآخر حربي، وليس فيه أفراد بادروا من تلقائهم من دون التسلسل الهرمي التكليفي، وليس فيه جهازان مميزان، أحدهما لمواصلة الإرهاب، والثاني لمكافحة الإرهاب.
واستطراداً، ليس له سلاحان مميزان، أحدهما للمقاومة الوطنية ضد الاحتلال الإسرائيلي والثاني للفتنة المذهبية في الداخل اللبناني أو للقمع المذهبي للأكثرية الثائرة من السوريين. بل هو سلاح واحد.
من كل ما نراه هنا نجد أن تعددية الوظائف والمشاغل تدخل أحياناً أوهام الفصل “الميتافيزيقي” بين مستويات في “حزب الله” غير مفصّلة ولا مفروزة في ما بينها في الواقع.
بالتأكيد، المحاكمة الدولية توجّه التهم لأفراد. لكن مواكبة المحاكمة الدولية داخلياً يستدعي شيئاً إضافياً: مقاربة شاملة لمسار “حزب الله” تنظر اليه كوحدة متكاملة ولو تعددت وظائفها، وهو ما لا يتأمن إلا بالنظرة اليه كجماعة سياسية ايديولوجية مهيمنة على طائفتها وعلى بقية الطوائف في لبنان.
من هنا، المحكمة الدولية لها أن تتكامل مع فكرة الثورة الداخلية على مشروع هيمنة “حزب الله”. وأول الثورة الداخلية الثورة الذهنية: التذكير بأن “حزب الله” ليس مركباً من أفراد معلقين في الهواء بلا تكليف “شرعي”، ولا من سلاحين أحدهما ناصع والثاني للأمور “المنزلية”، ولا من عقيدتين أحداهما ثيوقراطية خمينو – خامنائية في مواجهة المواقف الشيعية الأخرى، فيما الثانية تقاتل بذريعة “العقلانية والتنوير”.
هو حزب واحد. سلك واحد. عقل واحد. ليس معنى ذلك أن ترتد نظرية “الآمر الناهي” على الممانعين هذه المرة. لكنّ بمعنى إعادة تركيب الشبكة الكاملة للقتلة الذين سفكوا دماء الاستقلال اللبناني الثاني العديد من المرات، وتفكيك المفارقة الكبرى: إن إرهابيين يتوارون عن أنظار العدالة الدولية اليوم ليس لأنهم يستهدفون الامبريالية والصهيونية وإنما لأنهم منهمكين في “مكافحة الإرهاب”.