من الطبيعي ان تتابع اكثرية وازنة من الشعب اللبناني، بدء عمل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي انشأها مجلس الامن لمحاكمة المتورطين او المتهمين بقتل رئيس الحكومة الاسبق الشهيد رفيق الحريري، والنائب الشهيد باسل فليحان وعدد كبير من المرافقين والمواطنين الابرياء الذين ذهبوا ضحية التفجير الارهابي الضخم في 14 شباط 2005.
ومن الطبيعي ان يكون القضاة والمحامون اللبنانيون في مقدمة المتابعين، ليشهدوا ويطّلعوا على عمل القضاء الدولي، ويحكموا لاحقاً على حرفيته ومهنيته، وهل حافظ فعلاً على حياديته ونزاهته وشفافيته، وعمله كقضاء مستقل، لا يحكم الاّ وفق الادلّة، والقرائن والاثباتات والشهود، وليس بناء على رغبة هذه الدولة او تلك.
ومن الطبيعي ايضاً وايضاً ان يشعر القضاة المعروفون بنزاهتهم وتجرّدهم وشجاعتهم، بالحزن والالم، لعقد هذه المحاكمة خارج لبنان، بسبب الضغوطات المتعددة الاشكال والالوان التي تمارس على القضاء في قضايا ثانوية واقل اهمية من قضية اغتيال الرئيس الحريري التي اعتبرت من ضمن اهم جرائم العصر، والاهم في لبنان، نسبة الى حجم الرجل من جهة وحجم الجريمة من جهة اخرى، والملابسات والاجواء والاسباب التي سبقتها، وتلك التي نتجت عنها، ومن حق هؤلاء القضاة ان يشعروا بالمرارة من ناحية، ولكن بالفخر من ناحية اخرى بسبب مساهمة عدد من القضاة اللبنانيين في تأسيس المحكمة الدولية اولا والاستعانة بخبرتهم وقدراتهم في المحاكمة ثانياً، ولأن المحكمة الخاصة بلبنان تطبّق القانون اللبناني في الاجراءات وعند النطق بالحكم، امّا الذين جنوا على القضاء اللبناني وشوّهوا حياده وموضوعيته، واحكموا قبضتهم على رأيه وارادته وتاريخه العريق المعروف في كل العالم، وحوّلوه الى شيطان اخرس، فانهم يتحمّلون كامل المسؤولية عن هرب العدالة من لبنان الى لاهاي.
لا اعرف اذا كان التفجير في مدينة الهرمل امس، قد تزامن صدفة او قصداً مع بدء المحاكمة في لاهاي، ولكنه في الحالتين، يكشف مدى هشاشة الوضع الأمني في هذه الايام، ومدى استهتار المجرمين بالأمن وقوى الامن والقضاء، وهو يأتي في سياق طويل من تفجيرات مثله او اكبر منه، بدأ منذ اشهر وسوف يستمر، طالما ان مكرسحي الدولة والممسكين بعنقها، وحلّوا محلها في كل شاردة وواردة، يرفضون ان يطلقوا سراحها، لتقوم بواجباتها الموكلة اليها بموجب الدستور والقوانين المرعية الاجراء، والحجج البيزنطية المتحجّرة التي يطلقها هؤلاء لافشال واحباط اي محاولة او مبادرة يعمل عليها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، لضخ ولو القليل من الاوكسيجين في عروق الدولة الهرمة قبل اوانها، لا يمكن ان تؤدّي الا الى المزيد من الجنون الأمني، والانهيار الاقتصادي، وغرق لبنان اكثر فاكثر في لجّة الخلافات والانقسام.
* * * *
الشعب اللبناني باكثريته الساحقة، لم يعطِ وكالة حمايته، لأي طائفة او مذهب او حزب او دولة، لم يعطها لقوى 14 اذار، ولا لقوى 8 اذار، الشعب اللبناني اعطى الدولة بمؤسساتها ورؤسائها، وفي مقدمهم الجيش اللبناني وقوى الامن الداخلي والقضاء، ورئيس الجمهورية وباقي المسؤولين، وكالة حصرية بحمايته وحماية كيان لبنان وحدوده وامنه واستقراره، وكلّ تعدٍّ على هذا الحق، واستهتار بهذه الوكالة، هما عمل مشبوه ومدان، ويأخذ البلد الى القضاء المستعار اولاً، والى الكارثة الحتمية ثانياً، ولعنة التاريخ ثالثاً ورابعاً.