#adsense

كيف يمكن اللبنانيين أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم؟

حجم الخط

زعماء يرفضون الاحتكام إلى المؤسسات لحسم الخلافات ويتركونه للخارج
كيف يمكن اللبنانيين أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم؟

السؤال الذي يطرح في اوساط سياسية ورسمية وشعبية هو: هل لبنان قادر على ان يحكم نفسه بنفسه ام انه في حاجة، خصوصا في الازمات، الى خارج يتدخل لاخراجه منها؟
الواقع، ان لبنان قادر على ان يحكم نفسه بنفسه وقد اثبت ذلك في الاربعينات والخمسينات والستينات، لانه لم يكن في لبنان زعماء مرتبطون بالخارج كما هم اليوم وينفذون تعليماته وتوجيهاته ويقدمون مصالحهم الذاتية التي يؤمنها لهم هذا الخارج ولو على حساب مصلحة الوطن، بل كان ارتباطهم يقتصر على الصداقة بدون استزلام بل محاولة توظيف هذه الصداقة لمصلحة لبنان التي كان خطا احمر بالنسبة اليهم.

ومنذ ان اصبح في لبنان زعماء يتوجهون بتوجيهات البعيد او القريب، فقد لبنان قدرته على حل الازمات التي يواجهها بنفسه وبات مضطرا الى ان يستعين بهذا الخارج للخروج منها. وقد بدأ لبنان يواجه هذا الوضع مع انتشار المسلحين الفلسطينيين في اكثر من منطقة من مناطقه واتخذوا منطقة الجنوب خاصة نقطة انطلاق لعملياتهم الفدائية ضد اسرائيل فتحولت تلك المنطقة ساحة للفعل ورد الفعل مع اسرائيل كلف ابناء الجنوب خصوصا خسائر بشرية ومادية فادحة وألحق باللبنانيين عموما ضررا في مصالحهم وحياتهم اليومية، فكانت الاجتياحات الاسرائيلية لأجزاء من لبنان بلغ احدها العاصمة بيروت، وكانت حروب لبنانية – فلسطينية فرضت تدخل مصر لوضع اتفاق القاهرة عله يوقف تلك الحروب، لكن منظمة التحرير الفلسطينية لم تحترم بنود ذاك الاتفاق، وعجزت السلطة اللبنانية عن فرض احترام هذه البنود على المنظمة التي توصلت بلسان رئيسها ابو عمار الى القول انه حكم بيروت، لذا كان لا بد من خارج يتدخل لوضع حد للحرب اللبنانية – الفلسطينية التي تحولت حربا لبنانية – لبنانية بفعل وقوف فئة لبنانية الى جانب الفلسطيني المسلح، فكانت قمة الرياض التي شكلت قوة ردع عربية، لوقف هذه الحرب وقد تحولت بعد حين الى قوة سورية صرفة اوقفت الاقتتال واخرجت الفلسطينيين المسلحين من لبنان الى تونس، وهي المرة الاولى التي يوضع فيها لبنان تحت الوصاية السورية بعدما اثبت عجزه عن ان يحكم نفسه بنفسه، ويحل مشكلاته بدون اللجوء الى اي خارج.

وانتهت "حرب التحرير" التي اعلنها العماد ميشال عون على الجيش السوري في لبنان، ثم "حرب الالغاء" بينه وبين "القوات اللبنانية" بتدخل الخارج وفرض "اتفاق الطائف" الذي قلص صلاحيات رئيس الجمهورية، وجعل سوريا هي المرجع الذي يفصل في الخلافات بين اهل الحكم في لبنان لان هذا الاتفاق الذي اصبح دستورا تضمن عددا من المواد التي يتعذر تطبيقها الا بالاتفاق بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة كما نص الدستور، وعندما لا يتفقان تتدخل سوريا للفصل في الخلاف بينهما تارة لمصلحة هذا وطورا لمصلحة ذاك تبعا لمصالحها.

ومن هذه المواد ما يتعلق بافتتاح العقود العادية، وعقد المعاهدات الدولية وابرامها، وتشكيل الحكومة ومراسيم قبول استقالة الوزراء او اقالتهم، ودعوة مجلس الوزراء استثنائيا كلما رأى رئيس الجمهورية ذلك ضروريا، وتوقيع مقررات رئيس الجمهورية التي يجب ان يشترك في توقيعها رئيس الحكومة والوزير او الوزراء المختصون، ووضع جدول اعمال مجلس الوزراء، وطرح المواضيع الاساسية التي يتطلب اقرارها اكثرية ثلثي اعضاء الحكومة على التصويت، عندما يتعذر التوافق عليها.

هذه المواد وغيرها التي كانت الوصاية السورية تفصل فيها عند حصول خلاف حولها بين اهل السلطة ولا سيما بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة بات الآن على اهل السلطة انفسهم، وبعد انتهاء الوصاية السورية، ان يفصلوا في خلافاتهم ويتوصلوا الى اتفاق في شأنها والا واجهت البلاد ازمات كالتي واجهتها خلال السنوات الثلاث الاخيرة، لان لا مرجعية داخلية او خارجية تفصل فيها.

وتأكيدا لذلك لم يتم التوصل الى معالجة تداعيات احداث 7 ايار الا بتدخل خارجي، فكانت الدعوة الى مؤتمر الدوحة حيث صار اتفاق على انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية وتشكيل حكومة وحدة وطنية ولو خلافا للدستور وتوزعت فيها الحصص وصار اتفاق على اعتماد قانون الـ60 للانتخابات.

وما تخشاه اوساط سياسية مراقبة هو ان تأتي نتائج الانتخابات النيابية المقبلة لا لتخرج لبنان من ازماته ومشكلاته الداخلية التي يعاني منها، ومن وضعه الشاذ، بل لابقائه يتخبط فيها الى ان يتدخل مرة اخرى خارج ما لاخراجه منها، ايا يكن الفائز في هذه الانتخابات ما دام في لبنان زعماء يرتبط قرارهم بالخارج ويرفضون الاحتكام الى الدستور والى المؤسسات لحسم الخلافات. فمن يكون هذا الخارج؟ هل تكون سوريا ام تكون ايران ام تكونان معا باعتبار انهما تستطيعان ان تمونا على هؤلاء الزعماء وتجعلانهم يرضخون لما تريدان سواء عند تشكيل حكومة ما بعد الانتخابات، او عند وضع البيان الوزاري وما ينبغي ان يتضمنه بالنسبة الى سلاح المقاومة والى العلاقات اللبنانية – السورية وتقرير مصير المجلس الاعلى اللبناني – السوري، والمفاوضات مع اسرائيل، وترسيم الحدود بين البلدين وبت ملف اللبنانيين المعتقلين في السجون السورية وازالة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وضبطه داخلها، وغيرها من المواضيع المثيرة للخلاف بين قوى 8 و14 آذار. وان هاتين الدولتين تستطيعان مع وجود زعماء لبنانيين يتوجهون بتوجيهاتهما، ان تحلا ما تريدان حله وان تعقدا ما تريدان تعقيده، وان تجعلا عهد الرئيس ميشال سليمان عهد امن وامان واستقرار، او عهد فوضى واضطرابات سواء فازت قوى 14 آذار بالاكثرية النيابية او فازت بها قوى 8 آذار.

لذلك، ليس على الدول الشقيقة والصديقة المعنية بوضع لبنان سوى معالجة مصدر مشاكله، وهذا المصدر هو ايران وسوريا نظرا لوجود حلفاء لهما في لبنان ينفذون تعليماتهما، وان عليهما في حال التدخل ان يكون تدخلهما ايجابيا في مساعدة السلطة اللبنانية على حل ما تواجه من ازمات ومشكلات، لا ان يكون تدخلهما سلبيا بقصد زيادتها تعقيدا لارباك الحكم وجعل لبنان لا ينعم بالراحة والاستقرار. فهل الدول الشقيقة والصديقة قادرة على معالجة مصدر الداء، وهل سوريا وايران مستعدتان لمساعدة لبنان مجانا خصوصا اذا فاز خصومهما في الانتخابات فتجعل اي مساعدة مرتبطة بشروط قد يصعب الاخذ بها…

المصدر:
النهار

خبر عاجل