الوسط المالي يعتصم بالصمت حيال مخاوف الغالبية
ما هي عوامل القلق الاقتصادية بعد 7 حزيران؟
كتبت سابين عويس في "النهار": ما الذي يدفع قوى الغالبية النيابية الى القلق على الاقتصاد اذا فازت قوى 8 آذار في الانتخابات النيابية، ولماذا يعتصم الوسط الاقتصادي والمالي والمصرفي بالصمت ازاء المخاوف التي تبديها الغالبية ومعها اوساط المؤسسات الدولية والصحافة الاجنبية التي افردت لهذا الموضوع اكثر من تحقيق وخبر؟
واستطراداً، هل هذه المخاوف في محلها؟ وعلام ترتكز؟
ان اكثر ما يثير قلق الاوساط الاقتصادية المحلية والدوائر الاقتصادية الدولية المعنية بالملف اللبناني ويدفعها الى طرح اسئلتها، والتعبر عن هواجسها حيال السياسات العامة والتوجهات التي ستعتمدها قوى الثامن من آذار في المرحلة المقبلة في حال فوزها او خسارتها، ينبع في الجانب الاول من تعتيم هذه القوى على رؤيتها او تصورها الواضح في هذا الملف.
ففي حين يجمع برنامجا "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" على ايلاء الجانب الاجتماعي والتنموي الاولوية في خطاب يدغدغ مشاعر الناخبين ويعدهم بالتقديمات والتحسينات الاجتماعية في مستوى معيشتهم مغفلاً مصادر التمويل – المعلوم ان غالبية التمويل الاستثماري في لبنان يأتي من القروض الخارجية الميسّرة – يولي برنامج حركة "امل" الاولوية لمطالب ابناء الجنوب فيجدد التزامه استمرار سياسة دعم المزارعين وخصوصاً مزارعي التبغ، وتنفيذ مشروع الليطاني الذي تعود الوعود في شأنه الى اكثر من عقد ونصف عقد، فضلاً عن اقرار موازنة مجلس الجنوب من ضمن الموازنة العامة ليتحول بذلك قانون الموازنة وعداً انتخابياً من الرئيس نبيه بري الى ناخبيه!
اما في الجانب المتعلق بالسياسات المالية ذات العلاقة بالتحديات الاساسية التي تواجه البلاد، والمتمثلة بالدين العام والعجز المالي والاجراءات الاصلاحية المدرجة ضمن برنامج الحكومة الى مؤتمر باريس 3 وما يترتب عن ذلك من التزامات حيال سياسة الاستقرار النقدي والسياسات الضريبية وبنية الفوائد، فإن قوى 8 آذار لم تعط اي شروح او ملامح لكيفية تعاطيها معها، وهل ستكون في صدد اعادة النظر بما قائم حالياً ام ستعمد الى الاستمرار فيها سعياً الى كسب ودّ المجتمع الدولي من جهة ونتيجة عدم الرغبة في اجراء اي تغييرات جذرية في اتجاهات مناقضة نظراً الى اثرها السلبي على مناخ الاستقرار والثقة في البلاد.
اما في الجانب الثاني المتعلق بموقف قوى الاقلية اذا بقيت اقلية، فهو حتماً لن يكون مختلفاً عن المنحى الذي اعتمدته في تجربتها الحكومية مما سيجعل الوضع في البلاد في 8 حزيران وفي اقصى الاحتمالات او اسوأها كما هو قبله.
اما لماذا يعتصم الوسط الاقتصادي بالصمت، فذلك يعود الى حال الترقب التي يعيشها في انتظار تلقف النتائج وحال الترقب تنسحب على كل نشاط اقتصادي في البلاد جمّد او يتم التريث في شأنه، في انتظار بلورة ملامح المرحلة المقبلة. واكبر دليل على هذا الترقّب نتائج الاكتتابات الاسبوعية في سندات الخزينة بالليرة التي شهدت عجزاً بقيمة 450 مليار ليرة.
علماً ان آخر عجز في الاكتتابات نصف الشهرية بلغ في نهاية ايار، بحسب الموازنة نصف الشهرية لمصرف لبنان 19,73 مليار ليرة، فضلاً عن ان مصرف لبنان كان يغطي عجوز الاكتتابات في سندات الخزينة بالليرة اللبنانية منذ منتصف شباط الماضي والتي بلغ مجموعها التراكمي حتى الآن 897,68 مليار ليرة (اي ما يوازي 595,50 مليون دولار)، وذلك لايثار المصارف الاكتتاب في اصدارات الخزينة بالدولار او ما يسمى "الاوروبوند" والتي فاقت بكثير هذا المبلغ.
اما ابرز الاسئلة التي تطرحها الاوساط الاقتصادية في مجالسها الخاصة بعيداً من الاعلام فهي:
– ما مصير مناخ الثقة والاستقرار في البلاد بعد السابع من حزيران؟ وهل ستقع مجدداً رهينة الصراع السياسي القائم على السلطة اياً تكن نتائج الانتخابات؟
– هل سيكون ثمة اعادة نظر بالسياسات الاقتصادية القائمة، وما هي الخطوات الاقتصادية المرتقبة لتحريك العجلة وانعاش الاقتصاد؟
– هل تملك قوى الاقلية رؤية استراتيجية واضحة للمرحلة المقبلة وهل هي مؤهلة لتطبيقها؟.
ان التجربة الحكومية الراهنة لقوى الاقلية لا يمكن الركون اليها في تكوين صورة واضحة عن المرحلة المقبلة، باعتبار ان تلك التجربة ارتكزت على مبدأ التعطيل والعرقلة اكثر من الاعتماد على مبدأ الإقدام والمبادرة وفق تقويم اوساط اقتصادية التي تضيف ان الانجازات التي تحدث عنها المعارضة في الحكومة في ملفات الكهرباء مثلاً او الاتصالات او الشؤون الاجتماعية، تكشف في واقع الامر مسؤولية هذه القوى في تعطيلها اساساً، باعتبار ان هذه الانجازات هي من نتاج الفريق الاكثري في الحكم والتي سبق ان عطّلت سابقاً في الحكومة الاولى لرئيس السنيورة اما عبر شلّها او عبر اقفال مجلس النواب.
انجازات الاتصالات
والانتصارات الوهمية
وما ينطبق على ملف الكهرباء وخصوصاص في "انجاز" استجرار الغاز من مصر ينسحب على "انجازات" وزارة الاتصالات التي تعود الى الحكومة السابقة او تصب في سياق انتصارات وهمية تفرح قلوب الناخبين لكنها لا تخفف عن جيوبهم. فخفض تعرفة الخليوي اقتراح معدّ في سياق خطة الوزير السابق للاتصالات مروان حمادة ولم يقر في حينه بسبب الضغط التمويلي الذي كانت ترزح الخزينة تحت عبئه. واقرار خفض التعرفة لم يؤد الى خفض فاتورة المشترك بما ان كل مخابرة باتت تتطلب اكثر من محاولة وفتح للخط قبل انجازها مما يسجل فوترتها اكثر من مرة، هذا من دون الحديث عن التراجع الفاضح للخدمة على الشبكة.
وفي مجال تعداد انجازات وزارة الاتصالات لا بد من التوقف عند ثلاثة:
– الجريمة المالية في الخليوي التي فجّرها وزير الاتصالات قبل اسبوع وتحدث فيها عن مخالفات وارتكابات كبّدت الخزينة خسائر بمليار دولار، اغفل وزير الاتصالات انها كانت في غالبيتها موضع التحكيم الدولي وقد صدر في حقها حكم دولي، فكان نبش لملفات قديمة واحالتها على القضاء بعدما اغلق ملفها مع قبول الاطراف المعنيين بنتائج التحكيم الدولي.
اما النقطة الجديدة في الملف المتعلقة باعتراض وزير الاتصالات على موضوع اعفاء المشغلين السابقين للخليوي من دفع الضرائب والرسوم المتوجبة على التعويضات، فقد اغفل ان دفع التعويضات جاء نتيجة اتفاق ودي بين الشركتين والدولة على مبلغ مقطوع غير خاضع للضرائب او ما يمكن اعتباره مبلغاً صافياً اقتطعت منه الضرائب في تفسير آخر.
– الانجاز الثاني المتمثل باطلاق ما يعرف بـ"Call Center" وافتتاحه 15 مركزاً اضيف اليها مركزان تم افتتاحهما اخيراً، احدهما في البترون والآخر في طرابلس مما سيؤدي الى خلق الآلاف من فرص العمل. فقد تبين من الاتصال بهذه الشركات التي وقعت العقود مع الوزارة ان ثلاثة منها فقط حصلت على خط الاتصال في الخارج او ما يعرف بـ"E1"، في حين ان الشركات الباقية لا تزال تنتظر دورها وهي في حال تريث غير قادرة على التجهيز او التوظيف في انتظار اشارة الانطلاق.
– اما الانجاز الثالث وليس الاخير، فيتمثل في اكثر من موضوع لم يعرف بعد ما آلت التوصيات في شأنها مثل السياسة العامة للوزارة التي سبق لمجلس الوزراء ان اقرها، او توصيات للمغتربين الذين اجتمعوا في بيروت وعرضوا ملف الاتصالات وكيفية المساعدة، او ملف الخصخصة، او الانترنت السريع الذي لا يزال القطاع الخاص يشكو احتكار الوزارة له، او تنفيذ القانون 431 وانشاء "ليبان تلكوم" وتسمية اعضاء مجلس ادارتها…