#dfp #adsense

14 شباط يوم “رد الجميل” إلى “حقيقة” رفيق الحريري

حجم الخط

14 شباط يوم “رد الجميل” إلى “حقيقة” رفيق الحريري

عمر حرقوص

 

يوم غد في 14 شباط، ستتحول الساحة الى صورة لمرحلة جديدة مع الاحتفاظ بصورتها التي عاشتها في السنوات الأخيرة ما بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري وانتفاضة ثورة الأرز، غداً سيقدم اللبنانيون صورة جديدة لتاريخ الساحة التي صارت رمزاً لحريتهم وجمعهم العام أمام أسوأ نظام احتلال ديكتاتوري مرّ في حياتهم. الصورة المنتظرة يوم الغد هي تتابع طبيعي لما سبقها من أيام 16 شباط و14 آذار 2005 وما بينهما من أيام، وهي تكملة ليومي 14 شباط 2006 و2007. يوم ليس غريباً على اللبنانيين ولا على آمالهم التي عزموا فيها إيقاف تدخل هذا النظام في حياتهم وفي يومياتهم. في ذكرى استشهاد الرئيس الحريري سيقف اللبنانيون صمتاً عند الساعة الواحدة إلا خمس دقائق، ويعلنون انتخابهم الشعبي الكبير لرئيس جمهوريتهم بعدما هرّب حلفاء نظام سوريا الانتخاب في المجلس النيابي.


يوم 14 شباط 2007 ليس كغيره فقد سبقه جريمة التفجير المزدوج لحافلتي نقل بواسطة عبوتين ناسفتين في بلدة عين علق في المتن الشمالي في 13 شباط الماضي، والتي أدتا الى استشهاد ثلاثة مدنيين و23 جريحاً، كان يوماً قاسياً قُصد فيه رمي الرعب على اللبنانيين لمنعهم من المشاركة في تظاهرة ساحة الحرية. رد فعل الناس كان أقوى من القتل والتفجير، فاتجهوا من بيوتهم في الصباح الباكر مع أن المئات من باصات النقل توقفت عن العمل ذلك اليوم لئلا يقع أي إجرام على الناس.


قبل عام كان أهالي المتن يتجهون من بيوتهم الى أعمالهم وجامعاتهم، كان صبحاً جميلاً ليتربص بهم القاتل وينجز عمله المستمر منذ محاولة اغتيال الوزير مروان حمادة. الحملة على باصات عين علق هي نفسها ما يتم تنفيذه هذه الأيام عبر إطلاق النار على المسيرات السيارة كما حصل في عاليه وفي كورنيش المزرعة. إنها المحاولات الثابتة لمنع اللبنانيين من تغيير الواقع الأسود وفرض منطق الدولة على منطق المربعات المغلقة والمؤدلجة.


في ذاكرة اللبنانيين يبقى رقم 14 في تاريخهم متوحداً مع استشهاد الحريري ومع ثورتهم التي أنتجت استقلالهم الثاني. الرقم الذي أفسح المجال للساحة أن تكون الحكم بين إرادة شعب تاق للحرية وانهزام مشروع تأبيد سيطرة آل الأسد على لبنان.


يوم 14 شباط 2005 خلت ساحة الشهداء كما خلت الطرق من الناس بعد انفجار “السان جورج” حيث ذهبوا إلى بيوتهم ليدركوا هول الحدث وما فعله الانفجار بحياتهم. كان سبق خلو الساحة من الناس أيضاً في مرحلة قريبة من هذا التاريخ وذلك في 2 أيلول من العام 2004 يوم التمديد المشؤوم لإميل لحود، حيث كانت الساحة فارغة إلا من تمثال الشهداء وبعض شبان اليسار الديموقراطي المعتصمين رفضاً للتمديد ودعماً للنواب المواجهين للتهديد السوري. ساحة الشهداء لم تكن قد عادت إلى الحيز العام الذي كانت تحتله قبل الحرب الأهلية في العام 1975. فهي بدأت تتحول بعد استشهاد الحريري الى الجامع لكل المواطنين بعدما هجّرت الحرب الناس منها.


الخبر اليقين الذي لم تكن تعرفه هذه الساحة يوم استشهاد الرئيس رفيق الحريري، انها ستتحول خلال 48 ساعة إلى أشهر مكان في الأرض، حيث ستمتلئ بالقادمين لوداع جثمان من وحّد اللبنانيين في حياته وموته. تغير مفهوم الساحة فجأة من مكان لمرور السيارات الى محط أنظار العالم، بالإضافة الى الأقنية التلفزيونية التي ظلّت طوال فترة انتفاضة الاستقلال متواجدة في هذا المكان، تغطي “انتفاضة الأرز” وتنقل لكل العالم أكبر ثورة سلمية في تاريخ الشرق الأوسط.
في 16 شباط 2005 تحرّكت الساحة بحشود مئات الآلاف من المواطنين القادمين مع خوفهم من مخابرات الجهاز الأمني المشترك اللبناني السوري. جاء لبنان من حدوده الجنوبية إلى حدوده الشمالية بمسلميه ومسيحييه تحت أصوات المآذن وأجراس الكنائس، لوداع رفيق الحريري الشهيد واستقبال رفيق الحريري رجل الحرية والسيادة والاستقلال. جاء الناس رداً على الاغتيال ومحاولة جر لبنان الى مهد الموت.


في هذا الوقت وبعد ثلاثة أعوام على إعادة الحياة الى الساحة التي تأخذ شكلاً آخر، فهي تتحضّر لاستقبال يوم 14 شباط بشكل أكبر من الأعوام الماضية ومتشابه مع أيام أخرى مرت عليها. الساحة الفارغة قبل 14 شباط 2008 بسبب من مخيم الاعتصام الممتد منذ أكثر من عام غيرها يوم غد الخميس، سيبقى المخيم صغيراً كصانعيه أمام حشود القادمين لتأكيد وحدة لبنان ومنع الحرب وتدمير الوطن ويقطع التواجد في جزء من ساحة الحرية، وفيه يقوم “أشاوس” النصر الإلهي، بقطع حياة الناس واحتلال أهم جزء اقتصادي من حياة وتواصل اللبنانيين.


بعد دفن الرئيس الحريري في ضريحه قرب تمثال الشهداء، سهر المئات من اللبنانيين أمام ضريح الرجل الذي خسروه. كانت ليلة سوداء بعد نهار غسلوا فيه قهرهم بدموعهم وصراخهم في مواجهة نظام “الوصاية” السورية. كان الساهرون يتدافعون بالمئات للصلاة أمام الضريح، كأنهم يحمونه من الأذية التي لحقت به أو كأنه يحميهم من الخوف الذي حضر فجأة بعد انفجار “السان جورج”.


بعد عام على انطلاق انتفاضة الاستقلال، حضر لبنان من كل المناطق، استطاع رجل في مثواه الأخير وبعد رحيله أن يعيد جمع المواطنين أكثر مما كانوا يوم دفنه، وأن يظل شعلة تجمعهم باختلافاتهم الدينية والمذهبية، في ظاهرة قلّ نظيرها في دول العالم.


قبل تلك الليلة كانت الأرصاد الجوية توقعت طقساً ماطراً في ذلك اليوم.لم يخف الناس على أنفسهم بل أتوا يحملون أطفالهم كأنهم يريدون ردّ بعض الجميل لشهيدهم. أكّدوا في ضخامة الحشد على عهدهم بالسيادة والحرية والاستقلال، وعلى إبقاء روح 14 آذار في سبيل بناء وطنهم، وخصوصاً بعد استشهاد باسل فليحان وسمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني.


في ذلك النهار كان حضور الناس كموج البحر لا يتوقف، الجميع يريدون الوصول إلى الأمكنة التي كانت لهم أيام الانتفاضة، الزوايا التي رسموا فيها أحلامهم وأحلام رفاقهم. أحلام بناها رجل في حياته واستشهاده. ضاعت الساحة أمام الحشود ولم يكن ينقصها إلا بعض الخيم لتعود إلى يوم 14 آذار 2005.


14 شباط 2006 انتظر اللبنانيون المطر، فضاقت ساحة الحرية بالجموع القادمة تحية للرئيس الشهيد. زحف الناس من كل المناطق ليثبتوا انهم شعب يصنع المعجزات، شعب لم ينس شهداءه في سبيل بناء مستقبل جديد.
14 شباط 2007 كان بحر الناس يتقدم إلى ساحة الحرية. وفود القادمين من المناطق كمثل التظاهرات التي لم تتوقف ذلك اليوم، الكل هنا ليرى مع الآخرين ما حصل خلال العام الذي انقضى بالقرب من ساحة الحرية. وقف الناس في الشوارع المحيطة في منطقة الوسط التجاري، بعد امتلاء الساحة. كانت الطريق الممتدة من عين المريسة إلى الفينيسيا والمتفرعات المحيطة بها، كموج بحر لا يهدأ.


يوم وقفوا فيه يرون مخيم اعتصام المعارضة وهو يقطع الطرق ويسرق جزءاً من الساحة. كان تحدياً لناس 14 آذار أراد القائمون عليه إغلاق الطريق على زائري الشهيد رفيق الحريري في عامه الثاني. دخل اللبنانيون إلى الساحة وهم يرفعون شعاراتهم التي تطالب بمنع تدخل النظام السوري في حياة اللبنانيين. قدموا وهم يدركون أن انقساماً وضع في وسط ساحتهم، رفعاً لوتيرة الهجوم على الاستقلال اللبناني.


في 2007 قدم النموذج السوري للديكتاتورية شكلاً جديداً للقتل، وقبل يوم واحد من نزول المواطنين اللبنانيين الى ساحة الشهداء استهدف المدنيين في باصين في عين علق. الانقسام السياسي الحاد بين القوى السياسية اللبنانية سمح للنظام السوري كالعادة وبحماية سياسية من حلفائه باستغلال الظروف وإشعال هجوم جديد على الأكثرية ومن يؤمن بلبنان الوطن. الرؤوس الحامية في دمشق لا تؤمن بديموقراطية لبنان، ودولة صغيرة فيها ديموقراطية لا يمكنها العيش بهدوء الى جانب نظام عريق بالديكتاتورية النظام السوري لم يتخل عن فكرة العودة الى لبنان، وحين انتصر اللبنانيون في 14 آذار 2005 كان قلّة من اللبنانيين يعرفون حجم المعركة مع نظام آل الأسد، وقدرته على الانتقام من المطالبين بالحرية والاستقلال.


كان غريباً على نظام أغلق الحياة في ساحات دمشق من المرجة الى الأمويين أن يرى شعباً يخلق أكبر فسحة للحرية في ساحاته. كانت بيروت ومزارع شبعا مركز ثقله السياسي في العالم الذي يهدد فيه إقليمياً ودولياً، فأصبحت المدينة المتوسطية أول من أسقط قناعه وأبرزت جرائمه ليعرف العالم ما يعانيه اللبنانيون والشعب السوري من مآس. هي ساحة الحرية والمحكمة الدولية التي يكرههما بشار الأسد، وهو وقته المناسب لإفشال حضور الناس كما أراد من متفجرتي عين علق.


الديموقراطية التي في بيروت ثمنها دفع في “السان جورج” وفي ساحة الشهداء والحفاظ على لبنان بلداً موحداً هو في زيادة الديموقراطية والحفاظ على الأمن بيد الدولة وليس عبر مربعات أمنية تخترق ساحات الوطن وتمنع العيش عن الناس.
في الرابع عشر من شباط 2005 وبعد قليل من منتصف النهار نامت ساحة الشهداء على أمل غياب الغيمة السوداء، في الساعات الأولى لدوي انفجار الجريمة فقدت المدينة قدرتها على التمييز. ولكن الساحة جمعت قدرة الناس وتمييزهم ورسمت لهم طريق التحرر من الاحتلال السوري.


اهتزازات الانفجار وارتداداته امتدت وتوسعت الى ساحة الشهداء، وصارت كل مرة مركز الثقل الذي يراهن عليه اللبنانيون لإكمال تحررهم من المجرم. محاولات ضرب الأمن كل عام قبل نزول اللبنانيين الى ساحة الشهداء تأخذ كل مرة شكلاً جديداً. الليالي التي تسبق يوم 14 شباط هي للتحضيرات، ولزائري الضريح والسهر بجانبه، تظاهرات سيارة يشارك فيها الناس ستغيب هذا العام. تنقل الشبان وتظاهراتهم سيكون قليلاً حتى لا يتم إعطاء فرصة لمخربي الأوضاع.


شعلة الانتفاضة الأولى على الوصاية السورية تعود هذا العام الى ساحة الحرية ويأتي معها الاستفتاء الشعبي على حماية لبنان وانتخاب رئيس للجمهورية. في هذا النهار سيتذكر اللبنانيون لحظة سماعهم نبأ استشهاد الرئيس الحريري. وكيف توقفت حياتهم في منتصف الطريق الى بناء الدولة. آخرون سيرفعون أعلامهم اللبنانية عالياً كما لو أنهم أول مرة يقومون بهذا الأمر فالساحة هي للنشيد الوطني والعلم الذي صاروا يعرفونه منذ دخلوا ساحتهم.


لن ينام الناس هذه الليلة في كل مناطق لبنان. لن يكون الحزن على الشهيد الحريري لدى طائفة واحدة إنما لدى كل الطوائف والمذاهب. حزن يذهب بالاختلاف.


اللبنانيون يوم أصيبوا باليتم، وضاعوا أمام حجم الجريمة. حملوا مستقبلهم على أيديهم في ساحتهم، وذهبوا الى الحرية التي يدفعون ثمنها كل يوم.


كان نهاراً طويلاً وناجحاً، أراد الجميع العودة إلى السنوات السابقة، فيما استمر الوضع السياسي على حالته مخنوقاً بالممنوعات التي فرضها خروج وزراء المعارضة من الحكومة. وتركيب تحالفات هجينة بين من عمل في الكونغرس الأميركي لاعلان “حزب الله” ارهابياً وبين من يعمل على مقاومة الوجود الأميركي. تحالف صارت قداسته أكبر من الدولة والشعب اللبناني، ليكون أول المساهمين في منع الحياة عن إعادة بناء الوطن.
كان الناس تحت صدمة تخلي هذه المعارضة عن مفهوم بناء الدولة والشراكة، في الوقت الذي اغتيل فيه الوزير النائب بيار أمين الجميل. كان الاحساس لدى جمهور 14 آذار بمحاولة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء من قبل هذه المعارضة يكبر كل يوم وخصوصاً بعد حرب تموز 2006، التي ساهمت بتدمير شبكة الجسور والطرق اللبنانية، بإلاضافة إلى تحويلهم تعب الشعب اللبناني الى مادة للاتهامات الطويلة التي ستظل حاضرة إلى هذا اليوم.


ساحة 2007 كانت ساحة شعب 14 آذار ساحة المقهورين من تخلي شركاء الوطن عن المحكمة والحوار والعمل من أجل انقاذ لبنان. اختلفت عن ساحة شباط 2006 الذي ترافق مع حوار سياسي داخلي دعي إليه ووصل إلى الفشل بعد الانقلاب على المحكمة الدولية، إضافة إلى إشعال حرب تموز.


14 شباط 2008 هو زلزال جديد في السياسة اللبنانية، هو يوم لتأكيد اقتراب المحكمة الدولية ومحاكمة المجرمين، ويوم تحية للجيش اللبناني الذي انتصر في نهر البارد، ويوم لتأكيد الاستقلال المعمد بتعب كل الشعب اللبناني.
14 شباط 2008 هو يوم رفيق الحريري، رفيق اللبنانيين في إعمارهم وانتصاراتهم.


هو اليوم الذي سجّل فيه التاريخ اللبناني أكبر تحية لرجل واحد، دفع بحياته أكبر انتصار استقلالي إلى واجهة التحرر في العالم.


هذا اليوم ليس ملكاً لحزب أو لطائفة، أو حتى ليس ملكاً للشعب اللبناني فقط، هو ملك لكل من أراد التحرر من السجون في العالم.
هو يوم لكل العرب المسجونين في سلطات الديكتاتور البعثي. هو من رفيق الحريري لكل المعذبين في الأرض.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل