(سفر العدد)إن أقوى سلاح استخدمته إسرائيل في عملية بنائها، هو من دون شك واقع بعض العرب! يكفي أن نراجع القمع والوحشية والتخلف التي مارستها فقط على شعبها أنظمة عربية ادعت مواجهة إسرائيل، ويكفي أن نقوم بجردة حساب للخطابات العنترية الفارغة والتهديدات والشتائم التي يسوقونها ضد بعضهم البعض، لنفهم كيف تمكنت الصهيونية المتوحشة والعنصرية والمعتدية من الظهور بمظهر ملائكي مقارنة بالزعماء العرب.منذ بضع سنوات، كتب أحد المحللين الإسرائيليين ما يلي: “لو لم يكن هناك حسن نصر الله فلكان علينا اختراعه”، كان ذلك في معرض تعليقه على خطاب لنصر الله تحدث فيه عن أشلاء جنود اسرائيليين كان قد غنمها في عملية إسرائيلية فاشلة. لقد تحدّث الأمين العام لـ”حزب الله” بتشفٍ وتهكم واستهزاء عن بقايا جنود العدو، وبدا لوهلة مثل تاجر لحوم يعرض بضاعته للبيع.بشار الأسد أكمل المهمة اليوم بالمجزرة التي يرتكبها ضد الشعب السوري، وأصبح العدو بكل ما مارسه ضد الشعب الفلسطيني، أشبه بداعية سلام مقارنة بما يمارسه الأسد وشبيحته، بمن فيهم “حزب الله” والميليشيات العراقية، والمرتزقة الروس.
يعني ببساطة أن معركة إسرائيل الإعلامية والأخلاقية لم تكسبها إلا لأن من يدعون مواجهتها هم أسوأ منها بكثير.
لنترك هذا الأمر الآن جانباً، فليس الهدف تسويغ جرائم العدو، فإسرائيل فيها من الخبث والإجرام ما يكفي لإدانتها. ما أريد أن أناقشه الآن هو ما ساقه السخفاء من رداحي حزب الله حول مقولة “لماذا ترفضون اتهام إسرائيل بجرائم الاغتيالات وتحرمون أنفسكم من شرف الشهادة في وجه العدو! أليست إسرائيل عدوتكم؟”. مقولة منطقية، وإن كانت مثيرة للسخرية، فهذه الفرضية لا تنطلي اليوم إلا على أصحاب العقول الصغيرة. وقد أكرر بعضاً مما قالته محامية أصحاب المتضررين في عملية اغتيال الرئيس الحريري وهي أن “الطفل الصغير في لبنان يعرف من يقتل القادة الأحرار فيه”.
ولكن لنناقش بحيادية وموضوعية هذا الاحتمال، يعني أن ننطلق من فرضية أن إسرائيل الخبيثة والمكارة، هي التي قتلت رفيق الحريري، لأنه صديق نصر الله ويدعم المقاومة، ومن بعدها اغتالت إسرائيل أيضاً كل شهداء آذار، على أساس أنهم من أتباع رفيق الحريري، وهم بالتالي أصدقاء المقاومة.
هذا يعني أن مقولة أن قوى آذار تخدم إسرائيل، والتي يطلقها نبيل قاووق ونعيم قاسم وحسن نصر الله وناصر قنديل ووئام وهاب… كلّها افتراء وباطلة، وأن من يطلقونها إنما يخدمون العدو لأنهم يشوهون ذكرى الشهداء!
الاحتمال الثاني هو أن هدف إسرائيل زرع الفتنة المذهبية بين السنّة والشيعة, مقولة منطقية أيضاً، وهذا يعني أن كل تفاصيل الجريمة، والإعداد السياسي لها هي من صنع العدو.
هذا يعني استتباعاً أن التمديد لإميل لحود، هو بإيحاء إسرائيلي لدفع المجتمع الدولي لإصدار القرار ، وأن الشتائم والاتهامات التي انبرى لها أتباع الممانعة من سياسيين وشبيحة وأمنيين بحق رفيق الحريري، هي أيضاً بإيحاء إسرائيلي، ويعني أيضاً أن تخريب موقع الجريمة وإعاقة عمل لجنة التحقيق والمحكمة الدولية واتهام من يدعمها بخدمة إسرائيل هو أيضاً من صنع عملاء إسرائيل.
ملحوظة واحدة هي أن شريط أبي عدس التضليلي، يجب أن يكون أيضاً من إخراج إسرائيلي. ولكن لماذا اختار العدو اللئيم والخبيث والماكر، التطرف السني كمتهم بالجريمة، بدل أن يفبرك شريطاً لجندي من أتباع ولاية الفقيه أو من أنصار السيدة زينب، أو من استشهاديي المهدي، أو من أبطال الحسين، ليتبنى أحدهم الجريمة، وبالتالي يتسبب بوقوع الفتنة مباشرةً؟
ما لنا وكل ذلك الآن، فالعدو أكثر دهاءً من الألعاب المكشوفة، ولا بد أنه فكر بأن هذا الشريط سيسهل كشف زيفه، وأن “العقلاء” من المسلمين سيخرجون في فولكلور مضحك تجتمع فيه العمامات من أطياف مختلفة، لتعلن أن المؤامرة الصهيونية قد فضحت، وتعود الوحدة الإسلامية أصلب مما كانت، ويبقى حسن نصر الله الزعيم الأوحد للسنة والشيعة معاً بعد غياب أخيه رفيق الحريري.
ذلك كله كان ممكناً لولا فكرة خطرت ببال وسام عيد، فقد كان الرجل مؤمناً بأنه من خلال بحثه عن شبكة الهواتف، سيتمكن من اكتشاف المؤامرة الصهيونية.
لقد بحث عن خطوط هواتف ولم يبحث عن أسماء، ربما كان يعتقد بأن “شلومو” و”كوهين” و”بنيامين” هم مَن اشتروا وشغلوا خطوط الهاتف الخليوي التي نسجت المؤامرة لاغتيال رفيق الحريري. لقد انتحل هؤلاء الصهاينة الأعداء أسماء مصطفى بدر الدين ورفاقه إمعاناً في الفتنة.
واليوم هناك مَن تقمص روح آرييل شارون فسمّى عملاءه قدّيسين ومنع القضاء من محاكمتهم وجاهياً وقرر أنه لن يتم القبض عليهم حتى بعد سنة وذلك حتى لا يتمكن القضاء من الوصول إلى مركز إصدار الفتوى الحاخامية بقتل عدو إسرائيل رفيق الحريري.
إنها إسرائيل بالتأكيد!
() عضو المكتب السياسي في “تيار المستقبل”