#adsense

الضاحية.. ليست بخير

حجم الخط

 

“هنا الضاحية”. كلمة أو شعار أطلقه “حزب الله” على هذه المنطقة بعد أيام وجيزة على انتهاء حرب تموز العام 2006 حيث اعتبرت إسرائيل يومها أنها قضت على معقل هذا الحزب وعاصمة قراره الأمني والعسكري وعلى أهم بقعة تضم أكبر موزاييك شيعي متعدد المناطق والعادات والتقاليد.

لطالما ردد أهالي الضاحية الجنوبية على الدوام جملة “الضاحية بخير” نظراً للأمن والأمان اللذين تمتعت بهما هذه المنطقة التي ما زالت حتى اليوم تُعتبر خارجة عن سلطة الدولة وذلك على حساب بقيّة المناطق، والخارجة أيضاً نسبة الى الازدهار الاقتصادي الذي مرّت به والذي كان للسنترالات غير الشرعية والمدارس والمستشفيات المجانية مروراً بالبناء على مشاعات الدولة وصولاً الى التمنّع عن دفع فواتير الكهرباء، وهي كلها عوامل أوصلت أبناء الضاحية الى حد التمسّك بـ”حزب الله” عوضاً عن الدولة اللبنانية بكامل أجهزتها ومؤسساتها الى أن جاء يوم اضطروا فيه الى إعادة النظر في سلوكيات لطالما اعتبروها منفذهم الوحيد للبقاء منتصرين.

ما الذي تغيّر اليوم؟ ومن الذي أوصل الحال في الضاحية الأبية الى هذا الحد من البؤس والتقهقر والذل؟ ومن المسؤول عن كل ما يجري هنا؟ وهل صحيح أن عامة الناس في هذه المنطقة هم فقط معرّضون للاختبارات اليومية المتنوّعة بينما كبار الساسة فيها هم في منأى عن التجارب وتحديداً تجربة الموت؟. يصح القول إن الأمور في الضاحية اليوم قد انقلبت رأساً على عقب بعدما أثخنت بالجراح، فإضافة إلى تبدّل وجهة العدّو لدى قوى الأمر الواقع هناك، فقد أصبحت أيضاً بؤرة خارجة على القانون حيث يختبئ فيها القاتل والسارق والمجرم وحقل تجارب واختبار لمجموعات كبيرة من الشبان الذين يذهبون بأرجلهم لكي يُلاقوا حتفهم خارج وجهتهم الحقيقية ومن ثم يعودون محملين في النعوش الى وطنهم وتعلق صورهم على شرفات المنازل وأعمدة الكهرباء.

انفجار حارة حريك الأخير والذي سقط ضحيته أربعة شهداء وحوالى ستين جريحاً أثار بلبلة جديدة داخل بيئة “حزب الله” وكالعادة انقسم الناس بين مؤيد ومعترض لسياسة الحزب حيال الحرب في سوريا، وكلام السيدة التي وصلت ساعة بعد التفجير الى مستشفى بهمن للسؤال عن جارتها دليل إضافي على هذا الانقسام، فهي واحدة من كثيرين تجرأوا على رفع الصوت عالياً أمام قيادات وأفراد وجمهور من الحزب عندما صاحت على الملأ “يطلعوا من سوريا شو بعد في إلنا هونيك”. إلا أن الشاب محمد ياسين ابن منطقة صفير يختصر كل هذه العناوين بأمر أساسي “الأمور عندنا لم تعد تُحتمل خصوصاً أن قوى الأمر الواقع والتي تُعتبر الجهة المسؤولة عن أمن الضاحية، ما عادت تُعطي الجانب المعيشي والأمني أهمية كبرى فما يشغلها اليوم أكبر بكثير من تلك الحوادث الجانبية الصغيرة بالنسبة اليها بعدما فرضت الحرب في سوريا عليها اتباع استراتيجية جديدة بعيدة عن تلك التي كانت تتّبعها في زمن مقاومتها لإسرائيل”.

ويعتمد محمد الواقعية في مقاربته للأمور عندما يقول “إن أهل الضاحية لم يسحبوا تأييدهم ودعمهم لـ”حزب الله” والدليل هو خروج عدد من الشبان عقب تفجير حارة حريك للمطالبة بعودة الحزب للإمساك بالأمن، لكن هذا لا يعني أن الأمور اليوم تبدّلت فهناك أعداد هائلة من القتلى يسقطون على الطرق وفي سوريا جرّاء الممارسات السياسية الخاطئة، نعم “هنا الضاحية”، لكنها ليست تلك الضاحية التي سبق أن انتصرت بوجعها وصمودها على العدوان الإسرائيلي في مراحل عدة منذ العام 1982، فالناس هنا يشعرون وكأنهم في غربة أو داخل مجتمع منغلق على ذاته، فلا تُجار من خارج الضاحية يأتون الينا ولا زوار يتبضعون حاجياتهم من هنا، فعن أي ضاحية يريدوننا أن نتحدث بعد اليوم؟”.

الملاحظ في الضاحية، أن عدداً لا يُستهان به من السكان قد أغلقوا معجم المقاومة وكل ما يندرج منه، فكلمة “الشباب” التي كانت تعني شباب المقاومة قد تحوّلت إلى “المقاتلين”، و”الشهداء” أصبحوا يوصفون بـ”القتلى” بمَن فيهم أولئك الذين سقطوا خلال التفجير الأخير، وليس من باب الانتقاص من شهادتهم إنما من باب التذمّر والاعتراض على هذا الواقع المرير الذي يعيشونه، وهذا الشعور لن ينتج عنه سوى أمر واحد من شأنه أن يُحدث لاحقاً أزمة بين الحزب وبيئته التي قد تجد نفسها مضطرة للدخول في نزاع علني معه، وأكثر من ذلك فقد يأتي يوم ويُصبح السلاح بحد ذاته ثقيلاً على هذه البيئة وعندها ستطالب بتسليمه للشرعية أو وضعه تحت إمرتها”.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل