#adsense

“القوات” تحمي المسيحيّين… بمقاطعة الحكومة

حجم الخط

كتب شارل جبّور في صحيفة “الجمهورية”:

رفضُ المشاركة في الحكومة الجامعة لا ينحصر في «القوات اللبنانية»، إنّما يشمل أيضاً شخصيات سياسية وحزبية عريقة ومخضرمة في «14 آذار»، إلّا أنّ للقوات رمزيتها وحيثيتها…

التعبئة المذهبية التي أوصل “حزب الله” البلاد إليها نتيجة سياساته منذ العام 2005 إلى اليوم ورفضُه التجاوب مع كلّ المبادرات الوطنية، جعلت المساكنة معه مستحيلة ما لم يُقدِم على خطوات كبيرة وجريئة من قبيل الانسحاب من سوريا كخطوة أولى، وإلّا فكلّ المؤشرات تفيد أنّ عوامل الفتنة إلى توسّع لا انحسار، وأنّ الاعتدال لن يقوى على مواجهة التطرّف.

فدخول “المستقبل” الحكومة هو مغامرة برصيده وحيثيته وحضوره وفعاليته، ولا مصلحة لأحد في لبنان بتراجع دوره وانحساره، لأنّ الرهان هو على قوى الاعتدال في كلّ الطوائف القادرة في اللحظة المناسبة على مدّ الجسور بين بعضها لاجتراح التسوية التي تجسّد تطلّعات اللبنانيين. فالأولوية لدى “المستقبل” يجب أن تكون في عدم المغامرة برصيده إلّا مقابل تسوية سياسية فعلية تستطيع استيعاب غليان الشارع وتنفيسه، وما عليه إلّا الاعتبار من تجارب الأحزاب والكتل إبّان الحرب التي خرجت من المعادلة السياسية في اللحظة التي رفضت فيها مجاراة نبضّ الشارع.

وإذا كان صحيحاً أنّ القائد هو من يقود الشارع لا العكس، ففي حال لم يكن القائد على قدر تطلّعات شعبه وناسه يخرج من وجدانهم وضميرهم، وتجنّباً لذلك عليه المزاوجة بين سياسة مدّ اليد باستمرار، وبين الاشتراط على الطرف الآخر الالتقاء في منتصف الطريق للوصول إلى المشترك المسمّى الدولة، وإلّا يتمّ اعتباره بأنّه يفرّط بالمسلّمات ولو من منطلق “أم الصبي”، فضلاً عن أنّ هناك ما يجب التنبّه إليه جيّداً وهو أنّ “المستقبل” ومكوّنات 14 آذار الآخرى صرفت كلّ رصيدها على هذا المستوى عبر التنازلات المتتالية التي أقدمت عليها، وبالتالي أيّ تنازل من الآن فصاعداً سيشكّل استنزافاً لدورها وما ترمز إليه.

فالمساكنة مع “حزب الله” لم تقنِع الشارع، خصوصاً أنّ العوامل غير المساعدة أكثر من العوامل المساعدة، بدءاً من فشل كلّ التجارب الحكومية منذ العام 2005 وصولاً إلى الوضع الاقتصادي المهترئ ومواصلة الحزب قتاله في سوريا ورفضه تسليم سلاحه وتعمّق الانقسام وغياب الثقة وتوقّع استمرار التفجيرات والاغتيالات ووصول التعبئة إلى أقصاها بعد اغتيال الشهيد محمد شطح، مع الدعوة لإطلاق المقاومة المدنية من أجل تحرير لبنان من السلاح، فضلاً عمّا سبقها في مؤتمر طرابلس، حيث قال الرئيس فؤاد السنيورة: “نرفض تطرّف وشطط بعض غلاة الشيعة القادم من طهران عبر سياسة ولاية الفقية العابرة للحدود السياسية، هذه السياسة التي أقصت وكفّرت وفجّرت وقتلتْ”…

إنّ كلّ هذا المناخ جعل من الصعوبة بمكان الانتقال من مرحلة إلى أخرى من دون تمهيد ومقدّمات وتهيئة، والأهم على أساس تنازلات جدّية يُقدِم عليها “حزب الله”، وبالتالي عدم التقيّد بما تقدَّم سيؤدّي إلى استنزاف الأطراف المشاركة في الحكومة وحرقها، ما يعني تراجع حضورها داخل الشارع لمصلحة تقدّم قوى التطرّف، ناهيك عن أنّ الرئيس سعد الحريري ليس في وارد العودة إلى لبنان في هذه المرحلة، كما أنّ غياب المال السياسي لـ”المستقبل” وتراجع دوره الخدماتي يفعل فعله داخل الشارع الذي يغلي بسبب الأزمة السورية ومشاهد الموت اليومية، ومن ثمّ بفعل مشاركة الحزب في القتال في سوريا ورفضه تحييد لبنان وإبقائه في حال من اللاستقرار والحرب الباردة.

ويبدو أنّ “حزب الله” وأمام موجة صعود التيارات السنّية يريد التلطّي، ولو بشكل غير مباشر، خلف “المستقبل”، ولكن ما لا يدركه الحزب أنّ هذا التلطّي سيؤدّي إلى ضرب تيّار الاعتدال داخل الطائفة السنّية ما لم يُقدِم “حزب الله” على تنازلات فعلية تعزّز موقف “المستقبل” وحجّته، وتوفّر الحماية المطلوبة للبلد. فـ”المستقبل” هو ضمانة للبلد في ظلّ تنامي الأصوليّات، ولكن على هذه الضمانة أن تدرك أين تكمن مصلحتها، كما على أخصام هذا الفريق في الطائفة الشيعية أن يدركوا أنّ كسر هذا التيّار يعني نهايتهم ونهاية لبنان.

وفي الموازاة، إنّ دخول كلّ القوى المسيحية في 8 و14 آذار إلى الحكومة يشكّل خطراً وجودياً على المسيحيّين في لبنان، لأنّه يتمّ تصويرهم وكأنّهم خضعوا لـ”حزب الله” وأصبحوا أداة طيّعة بيدِه لاستخدامهم كأكياس رمل في مواجهة الأصوليّين والتذرّع بأنّه، على غرار النظام السوري، حامي الأقلّيات.

فلا مصلحة للمسيحيّين بتقديم الغطاء لـ”حزب الله” على قتاله السوري، وإذا السنّة في لبنان أرادوا منحَه هذا الغطاء، فهذا شأنهم، إنّما المسيحيّون، أو القسم الأكبر منهم، لا مصلحة لهم في الظهور بمظهر الطرف الذي يغضّ النظر عن قتال الحزب في سوريا، في خطوة تشجيعية على مواصلة قتاله. فعدا عن أنّ موقفهم من هذه المسألة هو موقف مبدئيّ يتّصل بضرورة التقيّد بأحكام الدستور وميثاق العيش المشترك والقرارات الدولية التي تجاوزها “حزب الله”، إلّا أنّهم يجدون أنفسهم أيضاً متعاطفين سياسياً مع “الإئتلاف المعارض” والشعب السوري، ويعوّلون على انتصار المعارضة لتصحيح العلاقة السيئة التاريخية بين البلدين، كما لا مصلحة لهم إطلاقاً في وضع المسيحيّين في مواجهة أهل السنّة في لبنان وسوريا والعالمين العربي والإسلامي.

ولكنّ الأخطر والأهمّ أنّ المشاركة في نصاب مسيحيّ كامل في الحكومة تجعل المسيحيّين ومناطقهم عرضةً لاستهداف الأصوليّين وتعميم مشهد الضاحية الجنوبية المؤسف والمستنكَر، وبالتالي عدم المشاركة يشكّل حماية لهذه المناطق التي في حال استهدِفت يكون المُستهدِف معروفاً وهدفه رمي المسؤولية على غيره في سياق التخويف المبرمج من المدّ الأصولي وتقديم نفسه كحاجة لصدّ هذا المدّ الذي تعود أسبابه الفعلية إلى سياسة الاستكبار التي يقودها محور الممانعة.

فالمقاطعة مصلحة لبنانية بالدرجة الأولى، في رسالة لا عودة عنها إلى “حزب الله” بأنّ باستطاعته أن يفعل ما يشاء، ولكنّه لن يستطيع حكم البلد منفرداً، وأن تفرّدَه وخروجه عن الدولة سيقوده ويقود البلد إلى الهلاك، خصوصاً أن لا خيار أمامه غداً أو بعده إلّا التسليم بشروط الدولة، وبالتالي فالمشاركة معه تسيء إلى الأهداف العامّة. كما أنّ المقاطعة مصلحة مسيحيّة، لأنّ المسيحيين الذين اعتادوا، وما زالوا، على تغطية لبنان والدفاع عنه، لا مصلحة لهم بتغطية انتهاك فاضح للدستور ومبدأ الشراكة، ونصرة فريق لبناني على آخر سوريّ دفعَ أكثر من 150 ألف شهيد على مذبح قضيته المُحقّة.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل