كتبت فيوليت البلعة في صحيفة “النهار”:
شكّل اقتراح قانون إفادة المتقاعدين من تقديمات العناية الطبية مادة دسمة للنقاش لدى أهل الاختصاص، ولا سيما أن مفعول اقتراح القانون لا يشمل المتقاعدين قبل تاريخ إقراره، وهم فئة كبيرة لا تزال تعاني مع أفراد عائلاتها حرمانها من أي تغطية صحية. فما في الملاحظات على هذا الاقتراح؟
بتاريخ 4/ 12/ 2013، أي مطلع كانون الأول الماضي، أحال رئيس مجلس النواب نبيه بري على مجلس الوزراء اقتراح قانون تقدم به رئيس لجنة الصحة النيابية النائب عاطف مجدلاني وخمسة من نواب كتلة “المستقبل” النيابية، رقم 2099/ص وضعه العضو السابق في مجلس ادارة الضمان الاجتماعي رفيق سلامة بعنوان “إفادة المتقاعدين من تقديمات العناية الطبية في حالي المرض والأمومة في فرض ضمان المرض والأمومة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي”.
ولأهمية هذا المشروع وضرورته الملحة، نال حيزاً من اهتمام الخبراء في هذا المجال، ولا سيما ممن رافقوا الضمان الاجتماعي في نشأته وصولاً الى تدهور أحواله. وفي هذا السياق،كان للمدير السابق لفرع ضمان المرض والامومة جميل ملك، قراءة مختلفة، خلص في نهايتها الى سلسلة ملاحظات اوردها عبر “النهار”، بدءاً من خطأ استخدام تعبير “مضمون متقاعد”، إذ الأصح قانونياً كما يقول، استخدام تعبير “مضمون سابق”، أي الذي ترك العمل المأجور نهائياً وانقطعت علاقته بالضمان وفروعه الثلاثة النافذة، وتحديداً منها فرض ضمان المرض والأمومة بسبب بلوغ السن القانونية (60 – 64) والعجز والوفاة.
واستغرب كيف اقتصر مشروع القانون على تحديد طبيعة المستفيد منه بـ”المضمون الذي انتهت خدمته لبلوغ السن”، مستبعداً سببي العجز والوفاة. كذلك، استغرب كيف حصر المشروع في البند 2 المستفيدين الخاضعين لأحكامه بـ”المضمونين الذين يتقاعدون بعد نفاذ هذا القانون”، سائلاً عن مصير العشرات الذين يعانون مع افراد عائلاتهم حرماناً من أي تغطية صحية، وينتظرون هذا القانون الذي فاجأهم بابقائهم خارج أحكامه”. ورأى ان لا مبرر للنصّين في البند 5 – ت و6 لأنه مثبت في نصيّ المادتين 71 و73-2 من قانون الضمان، “وذلك منعاً للتكرار”. وتوقف عند مضمون المقطع الأخير من البند 6 لجهة ذكر “يمكن طرف ثالث أن يتحمّل، كلياً أو جزئياً، الاشتراك المترتب على المتقاعد”، معتبراً انه يشكل مخالفة جوهرية لقواعد التشريع. “فالطرف الثالث يجب أن يكون محدداً، لأنه لا يجوز الاطلاق في هذه الحال، اضافة الى ان ذلك يدخل في صلاحيات مرجعيات دستورية وقرارها في الرفض او القبول”.
وفي شأن “المحاسبة المستقلة” لهذا النظام (البند 8)، اعتبر ملك ان ذلك يشكل مخالفة صارخة وخطيرة وضرباً لوحدة التشريع في الضمان وفرعه. “ففرع ضمان المرض والامومة له موازنة واحدة ومحاسبة واحدة ونطاق واحد، ولا يقبل الى جانبه وفي نطاقه أي اقسام خاصة بموازنات خاصة ومحاسبة مستقلة، فهو يشمل جميع الخاضعين لأحكامه على اختلاف فئاتهم ومعدلات اشتراكاتهم ونسبها تبعاً لاختلاف قدراتهم، وهم يفيدون من تقديمات واحدة وبنسبة واحدة بحسب حاجاتهم”.
ورأى ان هذا هو التجسيد الحي لمفهوم التكامل الاجتماعي بين المموّلين (أصحاب اعمال ومضمونين ودولة، وهو يكفل لنظام الضمان استمراره وديمومته وتوازنه المالي واستمرار ضخّ تقديماته لمضمونيه بدون توقف او انقطاع. وقال “ان نفذ هذا النص الخطير والغريب، سيوجد نظاماً جديداً في نطاق فرع ضمان المرض والامومة، يكون صورة طبق الأصل عن نظام الضمان الصحي الاختياري الذي ما زال يعاني منه المضمونون بدون أمل بالخلاص الا بالقضاء على هذا النظام الهجين، والحاقهم واخضاعهم الى نظام فرع ضمان المرض والامومة”.
وتحفظ ملك عن اخضاع المضمونين وفق مشروع القانون الى فرع ضمان المرض والامومة، “لكنه حصر افادتهم من تقديمات العناية الطبية في حالي المرض والامومة فقط، وحرمهم من الافادة من تقديمات نفقات الدفن!”. علماً انه فرض عليهم اشتراكات المعدل العادي النافذ حالياً (9%) الذي يشمل كامل التقديمات. وسأل عن خلفية هذا الموقف، “فهل المضمونون المتقاعدون والمعالون معهم من افراد عائلاتهم لا يموتون؟”.
ومن اجل خضوع المضمون المتقاعد لبلوغ السن القانونية الى احكام مشروع القانون، اشترط عليه “ان تكون له مدة اشتراك فعلي في ضمان المرض والامومة لا تقل عن 20 عاما”. وفي السياق، استغرب ملك هذا الشرط “غير المبرر”، داعيا الى اسقاطه وخصوصا انه غير مطلوب اساسا في المضمون العامل والخاضع لفرع ضمان المرض والامومة “الذي يبدأ بالافادة من تقديماته اعتبارا من بدء دخوله العمل”.
كذلك، لم ير مبرراً لاشتراط البند 1 على المضمون “ان يكون قد تقاضى او استحق تعويض نهاية الخدمة”، سائلا عن جواز حرمان المضمونين الخاضعين لأحكام فرع ضمان المرض والامومة وغير الخاضعين لفرع تعويض نظام الخدمة.
ولاحظ ان المشروع اقتصر على الاجراء الدائمين والمتدربين والمتمرنين دون سواهم، وابقى خارج احكامه الاجراء اللبنانيين غير المرتبطين بصاحب عمل معين، والعاملين في قطاع البحر والمرافئ والاجراء الزراعيين الدائمين وسائقي السيارات العمومية وباعة الصحف والمجلات. كذلك، اخضع لاحكامه من فئة غير الاجراء، الذين يعملون لحساب الدولة (المتعاقدون والاجراء الدائمون والمياومون والمتعاملون مع وزارة الاعلام)، او اي ادارة او مؤسسة او مصلحة عامة مستقلة. لكنه لفت الى بقاء خارج احكام هذا القانون، الاطباء المقبولين لدى الضمان وافراد الهيئة التعليمية في المدارس الخاصة الداخلين في الملاك وغير الداخلين والصحافيين والمختارين. و”هذا اجراء غير مبرر وغير مقبول حقوقيا واجتماعيا”، يقول ملك.
وفي ما يتعلق بتمويل المشروع، اعتبر ان فرض نسبة اشتراك بالمعدل العادي المطبق حاليا في فرع ضمان المرض والامومة (9%) من دخل مقطوع يساوي الحد الادنى للأجور، فهو امر قانوني وواقعي ومقبول. “لكن ان يفرض اشتراك في هذا النظام بمعدل 3% من الكسب الخاضع للحسومات على الاجراء والعاملين (من فئتي الاشخاص والاجراء المتقاعدين) وعلى اصحاب عملهم متقاسمينه بالتساوي، فهو تكليف ليس في محله القانوني وغير مبرر وان كانت خلفيته احد اوجه التكافل الاجتماعي بين الاجيال العاملة المتعاقبة. وان افترضنا جدلا ان هذا الرأي مقبول في ما بين الاجراء، فكيف نفسر فرض اشتراك على اصحاب الاعمال بنسبة 1,5% لهذا المشروع؟”.
لكل تلك الاسباب، طالب ملك باسترداد مشروع القانون من مجلس الوزراء، واعادة صوغه تمهيدا لسد كل “الثغر القاتلة”. فهل يستجاب الطلب قبل الوقوع في مطبات الاستعجال؟