#adsense

مسعد عن مالية الدولة: الثغرات موضع شُبهة

حجم الخط

مع انتهاء العام 2013، وظهور أرقام أولية عن نتائج المالية العامة خلال هذه السنة، ومع استشراف الاستحقاقات التي تنتظر البلد سنة 2014، يسود قلق مُبرَّر الأوساطَ الاقتصادية والمالية تحسُباً للأسوا، والذي قد يصل الى مرحلة اقتراب الدولة من مرحلة العجز عن تسديد التزاماتها. فهل وصلت مالية الدولة فعلاً الى هذه المرحلة الحساسة، وما هي الحلول المتاحة في هذه الظروف لتحسين الوضع، ومنع الانهيار المالي؟

أظهرت دراسة حديثة أصدرها الرئيس السابق للصندوق المركزي للمهجرين شادي مسعد، الحاجة الى اصلاحات بنيوية في المالية العامة.

جاء في الدراسة، أنّ الأرقام المتعلقة بوضع مالية الدولة لا تحتاج الى جهد كبير قبل أن يكتشف مَن يتابعها ويطّلع على تفاصيلها، مدى التدهور الذي أصاب الخزينة في السنوات القليلة الماضية. لكنّ قراءة الوضع من خلال الاكتفاء بقراءة الأرقام في السنوات الثلاث الأخيرة، فيه قصرُ نَظرْ وقلّة معرفة، أو ينطوي على خُبث مقصود، لا علاقة له بالموضوعية والعلم.

في هذا الاطار، من السهل أن نلاحظ انّ الوضع المالي للدولة تراجع بشكل دراماتيكي خلال السنوات الثلاث الأخيرة، 2011، 2012 و2013. لكنّ ذلك لا يعني أنّ الوضع كان سليماً في السنوات التي سبقت. هذا على رغم أنّ السنوات 2007، 2008، 2009 و2010 سجلت نمواً غير مسبوق، وصل الى أرقام قياسية (8.3 في المئة كمعدل وسطي)، مقارنة مع معدل النمو العالمي، ومعدل النمو في دول العالم الثالث. في المقابل، بلغ معدل النمو الاقتصادي في السنوات الثلاث الأخيرة 1.5 في المئة، في أحسن الأحوال، وهناك مَن يعتقد، وبينهم الخبير الاقتصادي د. ايلي يشوعي انّ الرقم أدنى ويصل الى 1.3 في المئة. وخبراء آخرون تحدثوا عن صفر في المئة.

انطلاقاً من هذا الواقع، يمكن فهم جانب من المشكلة التي تواجه المالية العامة في هذه الحقبة. واذا كانت بعض الظروف الاقليمية الخارجة عن ارادة أو قدرة لبنان على التصدّي، ومنع انعكاساتها المالية على البلد، قد أدّت الى ظهور هذه النتائج المقلقة، فمن باب الأولى أن نشير الى الانتهاكات الخطيرة التي كانت سائدة على مستوى المالية العامة، والتي منعت تحصين المال العام، وتكوين احتياطي يمكن أن يساعد في الأزمات، كما هو الوضع اليوم. ولا شك في أنّ ما كشفه مدير عام المالية آلان بيفاني في 23 كانون الثاني 2014، خطير جداً، ويعطي فكرة عن حجم التسيُّب الذي كان قائماً في وزارة المالية منذ سنوات طويلة، خصوصاً في حقبة التسعينيات. وقد تبين انّ هناك حسابات مصرفية تابعة للدولة لا تعرف بها المالية، وليست مُسجّلة في قيودها. كما تبين أنّ الدولة تُسدّد فوائد على قرض لم تستخدمه منذ العام 1994. هذه النماذج تعطي فكرة مبدئية عن حجم التسيّب والاهمال، وربما السرقة التي يتعرّض لها المال العام. ولعلّ الأخطر في الموضوع، أنّ بيفاني الذي يرأس ورشة انجاز حسابات المال العام منذ العام 1993 حتى اليوم، وهي ورشة جبارة شكلت تحدياً نجح بيفاني وفريق عمله في اجتيازه رغم المطبات، كشف أيضاً عن مستندات ضائعة بين العامين 1993 و1996، وبالتالي، يستحيل اجراء حسابات دقيقة عن هذه الفترة. بمعنى آخر، اذا كانت هناك سرقة او اهمال او اخطاء، لن يستطيع المكلف اللبناني الذي دفع هذا المال للخزينة أن يعرف مصير هذا المال، وكيف تمّ صرفه تحديداً، وأين وكيف!

الوضع بالأرقام

في عودة الى الوضع الحالي للمالية العامة، وما يمكن أن تواجهه في العام 2014، يُلاحظ انّ الأرقام تشير الى تدهور مُقلق في السنوات الثلاث الاخيرة، انطلاقاً من التراجع الاقتصادي على كل المستويات. وقد سجل العام 2011 نمواً بنسبة 1.5%، والعام 2012 حوالى 1.5% أيضاً، في حين انّ هناك تضارباً في تقدير النمو في العام 2013. وبينما يشير صندوق النقد الدولي الى نمو بلغ 2%، ويؤيده في ذلك مصرف لبنان، أكدت مؤسسة التمويل الدولية في أحدث تقرير لها صدر في 23 كانون الثاني 2014، انّ النمو لم يتجاوز الـ0.9%. هذه النسبة المتدنية من النمو، كافية للضغط على المالية العامة للدولة. لكن ما زاد في حجم تعقيدات الأزمة، حجم الانفاق العام، وحجم الايرادات. الانفاق ارتفع بلا مبرر اقتصادي، وحرّكته الأطماع السياسية والمصالح الشخصية. الايرادات تراجعت لاعتبارات اقتصادية مفهومة لها علاقة بالتراجع الاقتصادي الذي انعكس تراجعاً في الايرادات الضريبية والرسوم التي تغذّي مالية الدولة. وتمّ تقدير نسبة التراجع في الايرادات بحوالى 2.5 في المئة. وهذه نسبة مرتفعة اذا ما أخذنا في الاعتبار حاجة المالية العامة الى نمو دائم في الواردات لمواكبة التضخم. هذا النمو في الواردات تأمّن دائماً طوال السنوات الماضية، على الشكل التالي: 8,747 مليارات ليرة لبنانية في العام 2007، ثم ارتفع الى 10,554 مليارات عام 2008، ثم الى 12,702 ملياراً في العام 2009، والى 13,780 ملياراً في العام 2010، ثم 14,734 في العام 2011، وأخيراً، وصلت الايرادات الى 15,654 ملياراً عام 2012. هذا الرقم تراجع الى حوالى 15,400 مليار ليرة في العام 2013.

في المقابل، وبدلاً من شد الأحزمة في الانفاق ليتناسب ووضع الواردات، شهد العام 2013 زيادة غير مسبوقة في الانفاق وصلت الى حوالى 1300 مليار ليرة. في حين انّ الزيادات في الانفاق كانت أقل من ذلك في السنوات الماضية، وجاءت على الشكل التالي:

العام 2007 وصل الانفاق الى 13,413 مليار ليرة لبنانية، في العام 2008 ارتفع الى 15,195 ملياراً، في 2009 ارتفع الى 17,172 ملياراً، وفي العام 2010 وصل الى 19,709، ثم الى 20,862 في العام 2011، قبل أن يتراجع الى 20,551 ملياراً في العام 2012. وهنا، تجدر الملاحظة انّ العام 2012 هو العام الوحيد الذي شهد تراجعاً في الانفاق، وهو الاسلوب الذي كان ينبغي اتباعه طوال فترات الأزمة، خصوصاً في ظل تراجع النمو الاقتصادي. لكن ما جرى عام 2013 عاكس كل النظريات المالية، وارتفع الانفاق الى مستويات غير مسبوقة وغير منطقية. هذا الارتفاع هو الذي أثار القلق الاضافي في الاوساط الاقتصادية والمالية، تحسباً للاسوأ في المرحلة المقبلة.

في النتيجة، تمر المالية العامة بفترة دقيقة، لكنّ معالجة المشكلة لا تكون فقط من خلال لملمة الأرقام وتحسينها، بل عبر العودة الى الاصول المالية المتبعة في البلدان المتطورة، والتي تبدأ بطبيعة الحال، بإصدار ميزانيات عامة واضحة تتمتع بالشفافية والرقابة اللاحقة، بالاضافة الى رسم معالم الخطة الاقتصادية للدولة، والتي على اساسها يتم رفع او خفض الانفاق الاستثماري، وتحسين الايرادات من خلال تكبير حجم الاقتصاد الوطني، لا عبر ابتكار المزيد من الضرائب التي تؤدّي الى نتائج عكسية وتُلحق الضرر بالاقتصاد الوطني والمالية العامة في آن. 

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل