كتب غسان ريفي في صحيفة “السفير”:
فيما ينتظر فيه أبناء طرابلس إعلان نتائج التحقيقات المتعلقة بجريمة إحراق مكتبة السائح وتوقيف الفاعلين وإحالتهم الى القضاء المختص، ووضع حد لكل الاجتهادات والتأويلات التي أحاطت بتلك القضية، بدأت قضية من نوع آخر تطرح على بساط البحث الطرابلسي، حيث باشرت “الحملة المدنية لإنقاذ آثار وتراث طرابلس” تعبئة عامة هدفها الحفاظ على مبنى سيار الدرك الذي تشكل مكتبة السائح جزءاً منه، والتي جاء إحراقها بمثابة قرع ناقوس الخطر حول هذا المبنى التاريخي الذي يتعرض يوماً بعد يوم للتصدع والتشويه تمهيداً لإزالته على غرار كثير من المعالم الأثرية التي أدى الإمعان في إهمالها الى انهيارها واندثار أثرها.
ويترافق نشاط الحملة المدنية مع جهود رسمية للحفاظ على هذا المبنى حيث تقدم رئيس لجنة الآثار في بلدية طرابلس الدكتور خالد تدمري بكتاب رسمي إلى رئيس وأعضاء مجلس بلدية طرابلس يطلب فيه استملاك المبنى وإعادة ترميمه وتحويله الى متحف مدينة العلم والعلماء، وهو كان تقدم بطلب مماثل للمجلس البلدي السابق، لكن الإمكانات المالية لم تكن تسمح بذلك، في حين أن الوضع المالي في البلدية اليوم يعتبر أفضل من السابق.
وقدم تدمري في كتابه أسباباً موجبة لاستملاك هذا المعلم الأثري المعرّض للزوال، فأشار إلى أن مبنى سيار الدرك مسجل على لائحة الجَرد للأبنية التاريخية، ومصنّف أثري من الدرجة الأولى، وهو يُعدّ شاهداً على نهضة التعليم الحديث في المدينة نهاية القرن التاسع عشر حيث بُني ليكون مقرّ أوّل مدرسة أميركيّة للبنات في لبنان، قبل أن تنتقل المدرسة لاحقاً إلى مبناها الحالي في الزاهرية، وتتحوّل ملكية البناء إلى آل صليبا ويتم استئجاره من قبل آل الشعراني ليعود مدرسة خاصة تضم مطبعة، ويستأجر الأب سرّوج لاحقاً مستودعها مطلع السبعينيّات لتغدو مكتبة عريقة.
ولفت تدمري النظر إلى شكاوى متكررة وردت إلى البلدية خلال الأعوام الخمسة الماضية، إن من قبل المواطنين القاطنين في جوار المبنى، أو من قبل المستأجريَن المذكورَين، وأيضاً من المديرية العامة للآثار، طالبت جميعها بضرورة تدعيم وترميم المبنى الذي يتعرض كل فترة لتشققات وتفسّخ بفعل ما تعرض له من قذائف إبان حرب الثمانينيّات التي أدت إلى سقوط بعض أسقفه القرميدية وتعرضه بشكل دائم إلى مياه الأمطار.
وأشار أيضاً الى أن المالك لم يستجب إلى أيّ من الإنذارات الموجهة إليه من البلدية خلال تلك السنوات، وذلك لأنه يرغب في بيع البناء بدلاً من الدخول في تكاليف ترميمه، كما أن وزارة الثقافة لا تملك الإمكانيّات لاستملاك المبنى أو ترميمه، ولا نملك آلية لإجبار المالك على التدعيم، كما أن أي عملية تدعيم لن تفيد بل المطلوب هو عملية ترميم كاملة للبناء بغية ضمان بقائه متكاملاً وليس جزئياً.
واتهم تدمري بعض المستفيدين بالعمل على إسقاط المبنى بشتى الطرق، إن عن طريق إشعال النار بداخله (كما حدث في العام الماضي)، أو الهدم المتعمد لبعض أجزائه (كما حدث في نهاية العام 2010 حيث تم ضبط ورشة تابعة للبلدية تقوم بذلك من دون أمر من مصلحة الهندسة أو رئيس البلدية)، أو سرقة أبوابه وشبابيكه وبعض عناصره المعمارية وبيعها إلى تجّار الآثار، داعيا الى التوقف أمام عدم استبعاد المحققين في قضية حرق مكتبة السائح فرضية أن تكون عملية الحرق مقصود منها زعزعة البناء أو حرقه بالكامل تمهيداً لهدمه وشطبه من لائحة الأبنية الأثرية، بخاصة أن أبواب البناء مشرّعة منذ أكثر من عام ويدخل إليه من يشاء من دون حسيب أو رقيب.
ويخلص تدمري الى القول: حتى لا نخسر مجدّداً أحد معالم طرابلس الأثرية التي لم تعد المدينة تملك ثروة قيّمة سواها، ولا نتحسر على هذا البناء التاريخي الجميل كما حدث للسرايا العثمانية وسط التل، وحمّام الحاجب، ومسرح الإنجا، وقصر العجم، وعدد من الأبنية الجميلة في التل وشارع عزمي وشارع المصارف، التي هُدمت بالكامل خلال الخمسين عاماً الماضية. وكون هذا البناء يُعدّ بعمارته الجميلة والمميزة، وموقعه بين المدينتين القديمة والحديثة، وقربه من قلب المدينة التاريخية والجامع المنصوري الكبير وسوق الصاغة، يُعدّ مؤهّلاً أن يكون مركزاً ثقافياً ومتحفاً تربوياً قد يحمل اسم “متحف طرابلس مدينة العلم والعلماء”، يروي قصص علمائها ومفكريها، ويحتفظ في جنباته بمكتبة السائح التي باتت جزءا من تراث المدينة الثقافي، فإننا نقترح على المجلس البلدي المبادرة بأخذ قرار يقضي باستملاك العقار المذكور لصالح البلدية، على أن يُصار لاحقاً إلى ترميمه عبر الهبات أو المساعدات الدولية التي لا يمكننا السعي لتأمينها إلاّ في حال كانت ملكية البناء تعود للبلدية، وذلك تمهيداً لتحويله إلى متحف ومعلم ثقافي يحيي ذاكرة مدينة العلم والعلماء.
من جهتها، تقول الناشطة في الحملة المدنية لإنقاذ آثار وتراث طرابلس ناريمان الشمعة لـ”السفير” لم يعد خافياً على أحد الاعتداءات التي تتعرض لها آثار طرابلس ومبانيها التراثية من سرقة وهدم، ولم يعد مقبولاً الصمت على تفريغ مدينتنا من تاريخها وثرواتها وهي المدينة الأثرية الأبرز والأكبر مساحة على حوض البحر المتوسط، لذا فقد آن الأوان للتحرك ليس فقط لاستملاك مبنى سيار الدرك المهدد بالهدم وإنما للعمل على استملاك كل المباني الأثرية والتراثية والعمل على ترميمها وتحويلها الى أماكن ذات منفعة عامة مما يبرز وجه المدينة الحقيقي وهويتها ويعود عليها بالفائدة على أكثر من صعيد.
وتضيف: أما بالنسبة لمبنى سيار الدرك تحديداً، فلم تشفع له أهميته التاريخية ولا كونه مصنفاً كمبنى أثري من الدرجة الأولى ومدرج على لائحة الجرد العام، فمساحته التي تقارب الـ 1700 متر مربع، وموقعه في وسط المدينة جعلاه مطمع لتجار البناء، وقد لفتت “الحملة المدنية لإنقاذ آثار وتراث طرابلس” مراراً إلى أهميته وأبلغت الجهات المختصة خطورة ما يتعرض له من تخريب بغية زعزعته وهدمه، ولكن من دون جدوى، لذا لا سبيل للمحافظة عليه إلا باستملاكه من قبل البلدية.
وكونه كان شاهداً على نهضة التعليم الحديث ويقع بالقرب من مدارس طرابلس الأثرية التي ضمّت علماء المدينة بأزهى عصورها مما يؤهله ليكون متحفاً ليحتضن تراث علماء المدينة وكنوز إبداعاتهم التي طالما ارتبط اسمها بهم لنحيي بذلك ذاكرتها الثقافية والعلمية، ما يحقق أكثر من هدف بنفس الوقت يضاف إليهم استمرار مكتبة السائح العريقة في موقعها لما لوجودها من ارتباط بفكرة المتح.
وتدعو الشمعة باسم “الحملة المدنية كل الطرابلسيين الى العمل معاً من أجل الحفاظ على ثروات طرابلس ولتكن لنا وقفة جادة في وجه الطامعين والمهملين.