
كتبت صحيفة “السفير”:
ارتفعت وتيرة الاتصالات السياسية أمس، على مختلف الخطوط، استدراكاً لأي دعسة ناقصة او مغامرة حكومية غير محسوبة، إنما من دون تسجيل أي نتائج نوعية على مستوى حلحلة العقد التي تعطل ولادة الحكومة الجامعة، لاسيما ان الاقتراحات المتداولة للمعالجة تتسم في معظم الاحيان بالضبابية والغموض، وتبدو أقرب الى جس النبض من العروض الرسمية.
ويمكن القول إن التحرك المستمر للوسطاء أفضى بالدرجة الأولى الى تمديد مهلة المفاوضات تحت مظلة الحكومة الجامعة، ولو كانت هذه المفاوضات لم تبارح بعد مربع المداورة الذي تحول الى مسرح للمناورة، في وقت لا يحتمل وضع البلد المسكون بالهواجس الأمنية مثل هذا الترف.
وإذا كان يوم أمس قد تمخّض عن اقتراح تسوية يُحرج المتصلبين حاملاً بصمات النائب وليد جنبلاط، على قاعدة منح العماد ميشال عون حقيبة سيادية هي “الخارجية”، في أعقاب نهار طويل من الشائعات التي تقلبت على كفها أكثر من حقيبة، إلا أنه سرعان ما تبين أن الطريق امام هذا الاقتراح مزروعة بالصعوبات، وأولها ان الرئيس المكلف تمام سلام ليس متحمساً للفكرة، لانه يدرك ان إعطاء “الخارجية” لعون سيحتم عليه التنازل عن “الداخلية” لمصلحة قوى “14 آذار” وهو الأمر الذي يرفضه بشدة، إضافة الى انه يعتبر ان التجارب اثبتت ان عون يطلب المزيد بعد كل تنازل يقدم له.
كما أن فريق “14 آذار” لم يعط بعد التزاماً واضحاً بالاستعداد للتفاوض على موقع “الخارجية”، فيما أكدت المعلومات أن عون لا يزال يتمسك اصلاً برفض مبدأ المداورة ويُصرّ على إبقاء الطاقة بحوزته.
وليلاً أبلغ الوزير جبران باسيل “السفير” أن “التيار الوطني الحر” لم يتلقّ أمس “ولا قبله ولا منذ عشرة أشهر أي عرض رسمي وواضح من الرئيس المكلف في شأن الحقائب، حتى نعطي رأينا سلباً او إيجاباً”، موضحاً ان ما تردد حول اقتراح بحصول “التيار” على حقيبة “الخارجية” ظل في إطار “الأفكار التي يطرحها علينا وسطاء وأصدقاء من باب التفكير بصوت عالٍ”.
واضاف: يأتينا كل يوم من يطرح علينا أفكاراً ويسألنا عن رأينا فيها، إنما لم نسمع شيئاً بعد من الرئيس المكلف مباشرة، وكأنه ليس هو المعني بأن يتناقش معنا ومع الآخرين في تأليف الحكومة. ولفت الانتباه الى ان الرئيس تمام سلام “يخطئ إذا كان ينتظر منا جواباً معيناً، لأنه هو المطالَب بتقديم الإجابات الواضحة لنا، وليس العكس، وبالتالي فإن المشكلة عنده وليست عندنا”.
وكشفت مصادر واسعة الإطلاع لـ”السفير” عن أن محاولة اختراق الجدار التي سُجلت أمس بقيت في إطار الوصفات النظرية التي تفتقر الى التطبيقات العملية، لافتة الانتباه إلى أن ما يجري حالياً هو أخذ ورد ضمن مربع المداورة الذي علقت فيه الحكومة.
في هذه الأثناء، أكدت أوساط مقربة من القصر الجمهوري لـ”السفير” ان الجهد “لا يزال يتركز على تشكيل الحكومة استناداً الى معادلة 8-8-8، وبالتالي فإن الخيار الآخر المتمثل في الحكومة الحيادية ليس وارداً بشكل عملي بعد، ما دام ان فرصة التوافق على الحكومة الجامعة لم تُستهلك كلياً بعد”.
وأبلغت مصادر مواكبة للمشاورات “السفير” ان المطلوب كسر الحلقة المفرغة التي يدور فيها التفاوض على التركيبة الحكومية، في ظل انتظار الرئيس المكلف حصوله على الأسماء من القوى السياسية التي تنتظر بدورها كيف سيوزع سلام الحقائب حتى يبنى على الشيء مقتضاه، في حين يعتبر الأخير أن التوزيع هو من شأنه وحده بالتشاور مع رئيس الجمهورية، ويرفض الخوض في التفاصيل والكشف عن أوراقه على هذا الصعيد.
وعلقت المصادر على اقتراح منح “الخارجية” لعون بالقول: لقد وافق أهل العروس والعريس على الزواج ويبقى رأي العريس والعروس!
واعتبرت المصادر أن الآلية التي يعتمدها سلام في التفاوض لا تساعد على إنجاز التأليف، مشيرة الى ان هناك حاجة ليكون أكثر واقعية في أدائه. ورأت أن ما حصل مع وفد “حزب الطاشناق” خلال زيارته الرئيس المكلف يعبر عن الخلل القائم، فقد سأل الوفد سلام عن طبيعة الحقيبة التي يفكر في منحها لـ”الطاشناق” فرفض الإفصاح عنها، ما دفع الوفد الى الردّ عليه بالقول: دولة الرئيس.. ألا يفترض أن تبلغنا مسبقاً بما تنوي فعله حتى نختار الشخص المناسب، ماذا لو أعطيتنا حقيبة الإعلام.. ألا ينبغي أن نسمّي لك شخصاً يتقن العربية؟
كما لفتت المصادر الانتباه إلى أن عون يبالغ في تشدّده، معتبرة أنه مدعوّ الى إبداء قدر من المرونة والتجاوب مع الأفكار التي تطرح عليه لإيجاد مخارج، لا سيما ان هناك توجهاً شبه محسوم لمنحه حقيبة سيادية وأخرى خدماتية أساسية، في مقابل قبوله بمبدأ المداورة.
واعتبرت المصادر أنه يجب على كل طرف أن يتوقف عن انتظار الآخر وأن يبادر في اتجاهه، لعل التلاقي يحصل في منتصف الطريق، لأن البديل عن التوافق سيكون الاندفاع نحو مأزق أكبر بكثير من ذاك الذي نواجهه حالياً.
وكان الرئيس المكلف تمام سلام قد زار أمس الرئيس ميشال سليمان الذي التقى أيضاً رئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي. أما الوسيط المكوكي وائل ابو فاعور فقد أدار محركاته بطاقته القصوى وتنقل بين المقار الرئاسية، من عين التينة الى قصر بعبدا مروراً بالمصيطبة، وبقيت أقنيته مفتوحة مع “حزب الله”، محاولاً ان يفتح كوة في جدار المداورة، ليخلص في نهاية اليوم الطويل إلى تأكيد أن جولته أفضت إلى “طرح أفكار جديدة، نأمل أن تحظى بقبول العماد ميشال عون”.