من "علّية" البطريرك تعالت صلوات صباحية مع هدير المعركة
كسروان اكتست بالبرتقالي والأرجواني: حان وقت الحساب
على المركع، جثا البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، مسترسلا في صلاته. على كتف كسروان، استراحت بكركي بهدوء، على وقع صلوات صباحية تعالت من "عليّة" البطريرك، "من اعطي مجد لبنان" بكل استحقاق، تناجي الله. كان قلب سيّد بكركي…على لبنان. في احد الانتخاب، القداس انتهى، لكن النهار الانتخابي في كسروان كان لا يزال في أوله، محموما عند اطراف بكركي، على مرمى حجر منها، يعد بمفاجآت في عدد من بلداتها.
"لا معلومات لديّ حتى الآن"، قال البطريرك، لدى سؤاله عما اذا كان مطمئناً الى مجريات الانتخابات. عدد من الزوار "الاوفياء" احاطوه. "لولا بكركي، لما كان هناك مسيحيون في لبنان…"، قال له احدهم عاليا. في صالون الاستقبال، جلس البطريرك وسطهم، مجاملا، وكانت الانتخابات الهاجس الاول. "المهم ان يحكّم الناس ضمائرهم"، قال لهم.
وكان الكسروانيون "حكّموا ضمائرهم" قبل صياح الديك، وخرجوا للتصويت من السابعة صباحا، تمامًا على الموعد. المشهد نفسه تكرر في غالبية اقلام الاقتراع: زحمة مقترعين خارجها وداخلها، ساعات من الانتظار، تململ، انضباط امني، غياب اي شكوى… وازاء الرتابة المشهدية، ساحلاً ووسطًا وجردًا، تردد سؤالان: هل ستصوّت كسروان كما صوّتت عام 2005؟ هل "تسونامي" النائب العماد ميشال عون لا يزال وقعه نفسه، ام ان مَدَّهُ تراجع؟
لعبة "اعصابنا قوية… والربح لنا" اتقنها جيدا اعضاء اللائحتين المتنافستين: "التغيير والاصلاح" البرتقالية و"التحالف في كسروان الفتوح" البنفسجية، طوال ساعات النهار. "نحن مطمئنون الى اوضاعنا"، قال بعضهم بشيء من الثقة. ولكن في السرّ، كانت هناك ريبة، في مواجهة "رهبة" الصندوق وكلمته الفصل، وقدرات الخصم على تجيير الاصوات لمصلحته، من دون حساب مفاجآت طارئة.
نبض الشارع في كسروان تنوّع بتنوع البلدات وموقعها، مضفيًا ضبابية على توجه "كلمة الصندوق". كانت المعادلة بسيطة لدى بعض المقترعين: "ملتزمو اللائحتين يسقطون لوائح كاملة، اما الآخرون فلا". وكان الملتزمون كثراً لدى اللائحتين. "بالطبع، اسقطت لائحة "مثل ما هيي"، قالت احدى المقترعات، من دون ان تخفي تأييدها لـ"الجنرال". وحسم آخرون خيارهم ايضا للائحة الاخرى.
هذا الاسلوب في الاقتراع انسحب على مختلف البلدات. "هنا الغالبية للجنرال"، وهناك "نعزّ منصور (البون) وفريد (الخازن)…"، وغابت اسماء مرشحين، كأنهم لم يترشحوا. غير ان من يدرك خصوصيات الساحة الكسروانية، اعتقد ان الحسم تملكه جماعة الـ"لا". وهذه الـ"لا" عنت امرا واحدا: تشكيل لوائح "مشكّلة"، "خليط" يجمع بين اللائحتين المتنافستين، بما يترجم ميدانيا رفعاً لحظوظ الخرق لدى البنفسجية خصوصاً. قالت احداهن: "الجميع ابناء المنطقة، وعلينا ان نحاول الجمع بينهم، خصوصا ان بعضهم مفضل علينا بخدمات كثيرة".
المضي ابعد في الطرق الكسروانية فتح الباب على كلام آخر: "لن نصوّت كما صوتنا عام 2005. غيّرنا اقتناعاتنا"، قال بعضهم صراحة. في عدد من بلدات الوسط والساحل، كانت لغة كسروانية "واضحة" مفاجئة. "الجنرال خيّبنا… صرنا 14 آذار… قال شيئا ثم غيّر اقتناعاته… لا احد يهين بطريركنا… البطريرك رأس كنيستنا ونحترمه… اين كان عون يوم كان البطاركة يدافعون عن بقاء المسيحيين؟… كم هو معيب…من اشتغل ضد عون هو عون نفسه".
هذا الجو لخصه احد القادة الكسروانيين البارزين بقوله: "الكسروانيون لم ينتخبوا في الاتجاه نفسه مرتين، لانهم يحاسبون. وهذه المرة سيحاسبون من ناموا 4 سنوات. الفريق الآخر لم يحسب حسابا لهذه المحاسبة. انا مطمئن". حان وقت الحساب، وتفاءل بعضهم بهذا "المعطى الجديد"، لما له من تأثير في "تغيير الموازين على الارض"، وذهب الى ترقب مفاجأة ما.
كان هناك برتقالي وبنفسجي في شكل اساسي، واللونان لا ينسجمان معاً، أقلّه فنياً. ولعل القاسم بين اللائحتين المتنافستين "وحدانية" ظهور مرشحيهما على السطوح والشرف. من الساحل الى الجرد، غابت كليا الصور الجامعة لمرشحي البنفسجية لمصلحة صورهم الفردية، بينما كانت نادرة جدا للبرتقالية. بالنسبة الى مدققين في النيات، الامر استحق التوقف عنده، لما قد يوحي من احتمالات انتخابية تنعكس على التضامن بين مرشحين في اللائحة نفسها.
ما كان معلنا هو أنّ التضامن كلّي، "ولا خوف من تشطيب مضاد في اللائحة الواحدة"، على رغم ان اجواء لم تخف امكان حصوله في آخر اليوم الانتخابي، لتعزيز فرص مرشح على حساب آخر. ولصناع الانتخابات المحنكين، "حماية الظهر" شرط اساسي من شروط اللعبة.
كتبت هالة حمصي