صدر عن المكتب الاعلامي لمجلس القضاء الاعلى البيان الآتي:
“دأبت بعض وسائل الإعلام على الإفساح في المجال أمام أشخاص وجهات عمدوا إلى نقل صورة مشوهة عن القرار الذي صدر مؤخرا في قضية المرحومة رلى يعقوب، كما عمدوا أيضا إلى الاستمرار في تناول القضاة الثلاثة الذين تعاقبوا على متابعة تلك القضية في مرحلتيها الأولية والإستنطاقية.
إن مجلس القضاء الأعلى يجدد ما سبق أن أكده لجهة ثقته التامة بمناقبية هؤلاء القضاة، وبأن ما صدر عنهم هو نتاج اقتناع خلصوا إليه وفق قراءتهم لأوراق الملف، دون أن يؤثر فيهم أي معطى آخر، كما يرفض محاولات تناول ذلك القرار خارج أطر المراجعة المكرسة قانونا، في وقت لا يزال فيه القرار خاضعا لطرق المراجعة، ويرفض استعمال الإعلام وسيلة ضغط للتشويش على حسن سير العمل القضائي، ويشير، بمعزل عن النتيجة التي خلص إليها ذلك القرار، إلى أن ما صار تداوله تعليقا على أسانيده لا يتطابق مع التعليل الوارد فيه، الأمر الذي حال دون نقل مضمونه بدقة إلى الرأي العام، ويطلب من وسائل الإعلام، التي يعول على دورها في إنارة الرأي العام، توخي الدقة، متمنيا عليها نشر التعليل الوارد في ذلك القرار بحرفيته تأمينا للشفافية المطلقة.
تعليل القرار
وفي ما يلي التعليل الوارد في ذلك القرار بحرفيته:
ثالثا: في القانون:
حيث يتبين ان الإسناد (الإتهام) الموجه الى المدعى عليه كرم البازي في هذه الدعوى إنما يرتكز الى جرم المادة 550 عقوبات التي تنص على ما حرفيته :
“من تسبب بموت إنسان من غير قصد القتل بالضرب او العنف او الشدة او بأي عمل آخر مقصود عوقب بالأشغال الشاقة خمس سنوات على الأقل”،
وحيث استنادا الى ما هو مبين أعلاه، والى مجمل ما استغرقته التحقيقات بخصوص هذه الدعوى ، فإن تجريم المدعى عليه (او توجيه الظن اليه) بالإستناد الى المادة 550 عقوبات إنما يفترض و يستلزم ان يكون هذا الأخير قد ارتكب عمل عنفي مقصود بحق زوجته المرحومة رولا يعقوب ( إما عبر الضرب او غيرها من أعمال الشدة ) وان يكون هذا العمل المقصود قد أدى الى الوفاة و تسبب بها دون ان تكون نيته قد اتجهت الى هذه النتيجة الجرمية،
وحيث وبالعودة الى الثابت من وقائع هذه الدعوى ، المشار اليها أعلاه ، يتبين ما يلي:
1- بتاريخ 7/7/2013 تم إدخال المدعوة رولا يعقوب الى مستشفى اليوسف قرابة الساعة السادسة والنصف عند الغروب حيث ما لبثت ان فارقت الحياة عند الساعة العاشرة مساء، وقد وردت معلومات عن تداول أهل الضحية الأحاديث بخصوص قيام زوجها بضربها على رأسها و التسبب بوفاتها،
2- تم الكشف على جثة المرحومة رولا داخل المستشفى من قبل الطبيبين الشرعيين الدكتور موسى حداد والدكتور حسين عدوية اللذان أكدا في تقريرهما، وبعد مراجعة الصور والفحوصات، ان الوفاة مرضية وطبيعية وناتجة من نزف في الدماغ (تم تصنيفه ب Anevrysme)،
كما ورد في هذا التقرير انه لا توجد أي آثار عنف على كامل فروة الرأس، ولذلك لا توجد أي كسور عظمية في الجمجمة، وبالتالي فإن الوفاة طبيعية ومرضية، وان الكدمات الموجودة على الجثة قديمة العهد (تعود الى اكثر من 48 ساعة) وهي ليست مميتة ولا تؤدي الى الوفاة،
3- تبعا لتشكيك الأهل بصحة ما توصل اليه الطبيبين المذكورين تم تكليف طبيبين شرعيين آخرين هما الدكتور فواز النابلسي و الدكتور بلال صبلوح اللذان كشفا على الجثة داخل المستشفى و قاما بتشريح فروة الرأس و تبين لهما التالي:
“لم يظهر وجود اي علامات رضية على الناحية الداخلية لفروة الرأس ولم يظهر وجود اية علامات رضية عند العضلات الصدغية المدارية، كما لم يظهر وجود أي كسور في الصفجة الخارجية لعظام الجمجمة”،
وقد خلص الطبيبان المذكوران في تقريرهما، وفي الإستيضاح المجرى أمامنا: انه بعد الكشف على الجثة ونتيجة الصور الشعاعية والطبقية المحورية ونتيجة تشريح فروة الرأس (الذي لم يظهر اي علامات عنف على كامل منطقة الرأس) تبين لهما تبعا لكل تلك النتائج ان الوفاة طبيعة ومرضية وليست ناتجة من أي عمل عنفي، مع التأكيد أن الكدمات والسحجات التي تمت مشاهدتها على جسد المرحومة رولا يعقوب (والتي قدرا حصولها قبل حصول الوفاة بحوالي ثلاثة ايام على الأكثر) هي إصابات سطحية لا يمكن ان تؤدي او تكون سببا للوفاة او لنزف الدماغ الذي أدى الى الوفاة،
4- وتبعا لتشكيك الأهل ايضا (ومجددا) بصحة ما توصل اليه الطبيبان الشرعيان الإضافيان ولما أثارته بعض وسائل الإعلام بخصوص هذا التشكيك تمت الإستعانة بلجنة طبية متخصصة تم تعيينها من قبل نقابة الأطباء في بيروت، مؤلفة من الأطباء السادة كلود سمعان وسمير زبير وجورج روحانا وعلي شمس الدين وانطوان عون، وذلك للتأكد مما إذا كان لا زال من الممكن (بعد الدفن) إجراء فحوصات طبية أخرى لمعرفة سبب النزف في الدماغ (الذي أدى الى الوفاة) وما إذا كان ناجما عن عمل عنفي او حصل بصورة طبيعية ومرضية، وقد خلصت اللجنة المذكورة الى التوصية بإجراء فحص سكانر خاص (Barettes 64) باعتبار ان ذلك يسهل كشف وجود كسور متعددة الأعمار في مختلف أجزاء الجسم وبصورة خاصة فقرات الرقبة،
5- بعد تنفيذ التوصية الطبية واستخراج الجثة وإجراء فحص السكانر الخاص Barettes 64 (بمتابعة طبية وقانونية) تم تعيين لجنة طبية متخصصة ومشتركة بين نقابتي الأطباء في بيروت والشمال مؤلفة من الأطباء السادة:
الدكتور جورج روحانا والدكتور نبيل صوطو (طب أشعة)
الدكتور سمير زبير و الدكتور جورج نقولا (جراحة رأس وأعصاب)
الدكتور عبد الرحمن أنوس والدكتور نديم الأيوبي (اختصاص طب شرعي)
الدكتور علي شمس الدين (جراحة عظم)
وذلك لدراسة كامل ملف المرحومة رولا يعقوب لا سيما صور السكانر الخاص Barettes 64 واستخلاص النتيجة بشأنها، وقد تبين للجنة بعد دراسة هذه الصور عدم وجود أي كسور او شعور لعظام الرأس والعمود الفقري والحوض،
كما تبين لهذه اللجنة (ونتيجة مقارنة الصور المأخوذة مباشرة بعد الوفاة وتلك المأخوذة بعد استخراج الجثة) عدم وجود أي Luxation في منطقة الرقبة قبل الوفاة (و بعدها مباشرة)،
وحيث يتبين مما هو مبين أعلاه ان الفحوصات الطبية المجراة من قبل الأطباء الشرعيين الأربعة (في اللجنتين الأولى والثانية) والخلاصة التي توصلوا اليها بخصوص عدم وجود اية علامات عنف على كامل منطقة الرأس (تبعا لتشريح فروة الرأس وللصور المجراة) وعدم وجود دلائل على كون الوفاة جرمية و ناتجة عن عمل عنفي (والتأكيد على كونها طبعية ومرضية) إنما تم استتباعها بفحص طبي آخر (عبارة عن صور سكانر خاص Barettes 64) بناء لطلب اللجنة الطبية في نقابة الأطباء في بيروت بحيث جاءت نتيجة هذا الفحص لتؤكد عدم وجود اي آثار لأية أذية عظيمة على جسد المرحومة رولا يعقوب أي عدم وجود اية كسور او شعور او Luxation) قبل الوفاة وبعدها مباشرة) وذلك وفقا للتقرير الصادر عن اللجنة الطبية المشتركة من قبل نقابتي الأطباء في بيروت والشمال،
وحيث ان هذا المسار الطبي وما استغرقه من نتائج إنما ترافق مع مسار تحقيقي آخر بحيث أكدت كل من ابنتي المرحومة رولا يعقوب الطفلتين غلادس (مواليد 2001) وغابريال (2002)، اللتن كانتا داخل المنزل مع والدتهما ووالدهما المدعى عليه كرم البازي لحظة ويوم حصول الحادثة، ان هذا الأخير لم يتعرض لوالدتهما بالضرب في هذا اليوم وان والدتهما كانت تدخل غرفة الجلوس ثم ما لبثت ان اغمي عليها ووقعت ارضا فسارع والدهما محاولا ايقاظها وقام بوضع الماء على وجهها، لكنها لم تستفق فطلب من ابنته غلادس مناداة الجيران لمساعدته على حمل زوجته لنقلها الى المستشفى وهو ما حصل فعلا إذ بعد قيام الطفلة غلادس بالصراخ ومناداة الجيران والإستغاثة بهم حضر كل من المدعوين طلال وهشام حمد وقاما بمساعدة المدعى عليه على حمل زوجته ووضعها في السيارة حيث تم نقلها فورا الى المستشفى،
وحيث ان إفادات الطفلتين (التي تطابقت في مراحل التحقيقات الأولية والإستنطاقية) إنما جاءت لتطابق ايضا مع إفادتي الشاهدين (الأساسيين) طلال وهشام حمد (الخاليي العلاقة) اللذين صودف وجودهما ومرورهما في المحلة وقت حصول عملية الإستغاثة واللذين أكدا على الوقائع الواردة على لسان الطفلتين غلادس وغابريال بصورة تفصيلية (وذلك طبعا في ما خص ما شاهداه من وقائع)، هذا مع التأكيد أنه يوم حصول الحادثة كانت المرحومة رولا يعقوب داخل المنزل مع زوجها المدعى عليه وبناتهم الخمسة غلادس (مواليد 2001) وغابريال (مواليد 2002) وغريس مواليد (2008) وغايال (مواليد 2011) وغلوريا (مواليد 2012) ولم يكن يتواجد أحد في المنزل سوى هؤلاء وانه بعد حصول المناداة والإستغاثة من قبل الطفلة البكر غلادس حضر الشاهد طلال حمد ومن ثم حضر الشاهد هشام حمد،
وحيث يتبين تبعا لذلك كله ان اتهام الجهة المدعية للمدعى عليه بضرب زوجته على رأسها يوم حصول الوفاة والتسبب بوفاتها إنما بقيت مجردة من الأدلة على المستويين الطبي والواقعي، إذ لم تظهر الفحوصات والإجراءات الطبية ما يشير الى حصول عملية الضرب في ذاك اليوم كما لم تظهر هذه الفحوصات وجود اية علامات عنف على كامل منطقة الرأس او وجود آثار لأية أذية عظمية على جسد المرحومة رولا يعقوب قبل الوفاة ، في الوقت الذي لم تظهر فيه إفادات الشهود المتواجدين لحظة حصول الحادث (الطفلتان والجاران) أي مؤشر على صحة هذا الإتهام، لا سيما وان الشاهد طلال حمد أكد في إفادته الأولية انه وأثناء مروره في المحلة شاهد طفلة تقف على باب منزل المدعى عليه وتصرخ مستغيثة بما حرفيته “يا عمو ساعدنا ماما لا أدري ما بها” عندها دخل على الفور الى هذا المنزل وشاهد المدعى عليه يحاول حمل زوجته فحاول مساعدته ولم يتمكنا من ذلك الى ان تمت المناداة على الجيران للمساعدة و حضر الشاهد هشام حمد بالإضافة الى شخصين سوريي التبعة (كانا يمران بالصدفة) وقاموا جميعا بنقل زوجة المدعى عليه الى السيارة حيث تم نقلها الى المستشفى،
وحيث، وبغض النظر عما واكب مراحل التحقيقات الأولية من معطيات لجهة مطالبة أهل المرحومة رولا يعقوب بإجراء المزيد من الفحوصات الطبية على الجثة و من ثم قيامهم بتاريخ 9/7/2013 (أي بعد مرور أقل من 48 ساعة على حصول الوفاة) باقتحام مستشفى اليوسف وأخذ الجثة عنوة ودفنها في مدافن العائلة (بما يناقض المطالبة الصادرة عنهم وبما يخالف قرار النيابة العامة القاضي بإبقاء الجثة في براد المستشفى)، فإنه يقتضي القول بالإستناد الى ما هو مبين أعلاه ان ما استطاعت الأدلة الطبية العلمية (والمجردة) ان تتوصل اليه إنما جاء ليتطابق مع الأدلة الواقعية التي أفاد بها الشهود الحاضرين لحظة حصول الحادثة لا سيما ما استغرقته إفادة الشاهد طلال حمد من تدليل واقعي جاء خاليا (وبعيدا) من اية إشارة تؤيد او تعزز فرضية الإتهام ، إذ نقل ما ورد حرفيا على لسان الطفلة الصغيرة غلادس في لحظة الإستغاثة الحرجة طلبا لمساعدة والدتها الغائبة عن الوعي و دون ان تشير كلماتها الى أي معنى من معاني الإعتداء على هذه الوالدة (“يا عمو ساعدنا ماما لا أدري ما بها”) بحيث يصعب تصور إخفاء الطفلة (المولودة في العام 2001) لمشاعر ما شاهدته في تلك اللحظة الحرجة التي كانت تمر بها،
وحيث يقتضي القول، بالإستناد الى كل ما تقدم و تأسيسا عليه ، انه لم ينهض في الملف الدليل الكافي ( ان الطبي او الواقعي ) للظن ان المدعى عليه أقدم على التسبب بوفاة زوجته المرحومة رولا يعقوب عبر الضرب أو غيره من أعمال الشدة و العنف المقصودة ، الأمر الذي يقتضي معه منع المحاكمة عنه لجهة ما اسند اليه في هذه الدعوى بخصوص جناية المادة 550 عقوبات لعدم كفاية الدليل ،
لذلك
نقرر وفقا لمطالعة النيابة العامة:
1 – منع المحاكمة عن المدعى عليه كرم عفيف البازي ، المبينة كامل هويته آنفا، لجهة ما اسند اليه في هذه الدعوى بخصوص جناية المادة 550 عقوبات لعدم كفاية الدليل وإطلاق سراحه فورا ما لم يكن موقوفا لداع آخر.
2 – حفظ النفقات كافة”.