#adsense

الحسيني لـ”الجمهورية”: الرئاسة ليست رهن الحكومة

حجم الخط

كتبت باسكال بطرس في صحيفة “الجمهورية”:

يؤكد عرّاب اتفاق الطائف ورئيس المجلس النيابي الأسبق حسين الحسيني لـ «الجمهورية»، أنّ «الحديث عن حكومة وفاق وطني في ظل الظروف الراهنة، غير دستوري». ويشدّد على أنّ «إنجاز الاستحقاق الرئاسي ليس رهن تأليف الحكومة»، لافتاً إلى أنّه «في حال تعذّر تأليف حكومة وانتخاب رئيس للجمهورية، فإنّ حكومة تصريف الأعمال مؤهّلة الاشراف على الانتخابات النيابية».

• ما رأيك في الوضع القائم حالياً في البلاد؟ هل تتوقّع تأليف حكومة قريباً؟

ـ نمرّ في مرحلة شاذة جداً في لبنان. فما يحصل اليوم هو اغتصاب للسلطة بكلّ ما للكلمة من معنى، فالدولة “مفرفطة” إلى دويلات ومربّعات أمنية. والنتيجة واضحة: فوضى دستورية وأمنية واجتماعية ومالية إلخ… مصيرها الفراغ. وبالتالي، فإنّ أي تأليف لأي حكومة حالياً لن يغيّر شيئاً ولن يجدي نفعاً. فهذه الحكومة لن تحكم في ظل الظروف الراهنة، فضلاً عن أنّ عمرها لن يتعدّى الأشهر.

حكومة تصريف الأعمال

• ولكن ألا يُعتَبر الاستحقاق الحكومي واجب الوجود لإنجاز الانتخابات الرئاسية؟

ـ أبداً. هذا الكلام غير صحيح في ظلّ وجود حكومة تصريف أعمال، أي حكومة الرئيس نجيب ميقاتي. والدستور واضح في هذا السياق. فعندما يُعلن رئيس الحكومة استقالته واستقالة حكومته، لا يوافق رئيس الجمهورية على هذه الاستقالة بل يأخذ عِلماً بها، ويدعو الحكومة المستقيلة الى تصريف الأعمال، أي الاستمرار في مهمّتها وإنجاز الأعمال التي لا تتحمّل التأجيل، في انتظار تأليف حكومة جديدة. وعليه، عندما يؤلّف رئيس الجمهورية حكومةً بديلة، يصدر المرسوم الأول الذي ينصّ على قبول استقالة الحكومة السابقة. وبالتالي، فإن هذه الحكومة تبقى قبل صدور هذا المرسوم، كاملة الصلاحيات. وفور قبول استقالتها، يعيّن وفق مرسوم آخر، الحكومة الجديدة. فمن حيث المبدأ العام، لا فراغ في السّلطة. إذاً، وفي حال تعذّر تأليف حكومة فإنّ حكومة تصريف الأعمال هي مَن يشرف على الانتخابات الرئاسية. أما إذا شُكّلت حكومة جديدة من دون أن تحظى بثقة المجلس، فهي تتحوّل تلقائياً حكومة تصريف أعمال، وبالتالي تصبح مؤهّلة للإشراف على الاستحقاق الرئاسي.

• وفي حال تعذّر إجراء مشاورات لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، هل يمكن لحكومةٍ لم تنل ثقة المجلس النيابي أن تتصرّف بصلاحيات رئيس الجمهورية؟

ـ نعم، ففي حال حصل فراغ في الموقع الرئاسي، يحق لهذه الحكومة التي تصبح حكومة تصريف أعمال، أن تمارس صلاحيات رئاسة الجمهورية بنحو كامل فتحلّ مكان الرئيس في انتظار انتخاب رئيس جديد. فالنظام البرلماني ليس وليد إرادة شخص، بل نتيجة وضع سياسي، وبالتالي لا يمكن أن يُترك فراغ في السلطة.

• ولكن ألا يتوجب على الحكومة أن تنال ثقة الشعب، وبالتالي ثقة المجلس لكي تستطيع أن تحكم؟

ـ لقد أجاز لها الدستور قبل نيل الثقة تصريف الأعمال، وذلك بحسب المادة 64 – الفقرة الثانية التي تنص على أن: “رئيس الحكومة يجري الاستشارات النيابية لتأليف الحكومة ويوقّع مع رئيس الجمهورية مرسوم تشكيلها. وعلى الحكومة ان تتقدم من مجلس النواب ببيانها الوزاري لنَيل الثقة في مهلة 30 يوماً من تاريخ صدور مرسوم تشكيلها. ولا تمارس الحكومة صلاحياتها قبل نيلها الثقة ولا بعد استقالتها او اعتبارها مستقيلة الّا بالمعنى الضيّق لتصريف الاعمال”. المعنى الضيّق يعني إنه “بحسب ضرورته وإمكانية تأجيله أم لا”.

تمديد غير شرعي

• وفي حال انتهى الأمر الى حكومة تصريف أعمال مع زيادة فراغ في الموقع الرئاسي، ووصلنا الى الانتخابات النيابية في تشرين الثاني، فهل يحق عندها للمجلس أن يمدّد لنفسه مرة ثالثة تحت عنوان “الضرورات تبيح المحظورات”؟

ـ كلا إطلاقاً. في حال تعذّر إتمام استحقاقي الحكومة ورئاسة الجمهورية معاً، فإنّ حكومة تصريف الأعمال الحالية هي مؤهلة للإشراف على الانتخابات النيابية. فالدستور لا يجيز التمديد للمجلس إلا في حال طرأت قوة خارقة وطارئة تستدعي ذلك لدرء الأخطار عن البلاد. ولذلك، فإنّ التمديد السابق للمجلس لم يكن شرعياً، وهو بالتالي غير شرعي. فوجود قوة خارقة يحدّده رئيس الجمهورية والحكومة معاً، في وقتٍ عارضوا في السابق ولا يزالون التمديد للمجلس، ولكنه مدّد لنفسه بطريقة غير شرعية. وها هو في كل الحالات، عاجزٌ عن الاجتماع. والعودة الى الشرعية لا تكمن اليوم إلّا بإجراء انتخابات نيابية مُبكرة، خصوصاً أنّ مجلس النواب الحالي يستطيع إنجاز قانون نيابي جديد يتولّى الشرعية بعد الانتخابات.

حكومة الوفاق الوطني

• ألا تعتبر حكومة الوفاق الوطني دستورية؟

ـ كلا. فحكومة الوفاق الوطني أو الحكومة الائتلافية هي تلك التي تشكل لإنجاز دستور للبلاد، أو عند تعديل النظام، أو عندما نواجه حرباً أو عدواً للبنان، الأمر الذي يستدعي توافق جميع مكوّنات المجتمع.

أمّا حالياً، فإنّ الحديث عن حكومة وحدة وطنية أو وفاق وطني غير جائز وغير دستوري، خصوصاً أننا لا نزال خارج الشرعية. إذ لدينا مجلس نيابي قانوني ولكنه غير شرعي، لأنّ قانونه مخالف للدستور. ما يستوجب إعادة الشرعية الى المؤسسات الدستورية، وذلك من خلال اعتماد النظام النسبي الذي يعيد الشرعية للمؤسسة الأم، أي المجلس النيابي. لأنّ الشعب هو مصدر السلطات. وهنا أجدّد التأكيد أنّ تحقيق الديموقراطية الصحيحة والفعلية لن يكون إلّا عبر قانون على أساس النسبية بغضّ النظر عن حجم الدوائر الانتخابية وشكلها. فبنتيجة الانتخابات على أساس النسبية، تحكم الأكثرية وتعارض الأقلية. وعندها فقط يجوز الحديث عن الديموقراطية. وتعليقاً على المطالبة بإشراك الجميع في الحكومة، أسأل: أين هي المعارضة؟ هل من ديموقراطية من دون معارضة؟ هل من ديموقراطية من دون مراقبة أو مساءلة؟

لا حكومة حيادية في الدستور

• ماذا عن الحكومة الحيادية؟

ـ الدستور لا يأتي على ذكر “الحكومة الحيادية” في أيّ من بنوده، بل يتحدّث عن “الحكومة المخصّصة لإجراء الانتخابات النيابية”، التي تُشكّل من أفراد غير حزبيّين. وهنا لا يجوز الحديث عن حكومة ميثاقية أو غير ميثاقية. ولكن في الظروف العادية، لا يجوز تشكيل حكومة كهذه، بل المطلوب تشكيل حكومة من الأكثرية، في حين أن الأقلية تعارض، لأنّ إلغاء المعارضة يوازي إلغاء النظام. ففي بريطانيا على سبيل المثال، يتمّ دفع رواتب للأقلية حتى تكوّن معارضة لمراقبة أعمال الحكومة ومحاسبتها.

عصر الميليشيات

• هل يُعتبر تشكيل الحكومة في غياب كل من “التيار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية” عنها غير ميثاقي؟

ـ كلا. لا بل تُعتبر هذه الحكومة ميثاقية، نظراً الى مشاركة مسيحيين آخرين في الحكومة، كـ”الكتائب” والمستقلين وغيرهم. وللأسف، نعيش اليوم عصر الميليشيات، أي أنّ من يحكم هي قوى الأمر الواقع التي تفرض نفسها وتصادر الإعلام، وبالتالي تتنازع على السلطة كأنها تتنازع على سلعة، في حين أنّ السلطة مسؤولية كبرى.

فلو كنّا نتحدث عن حكومة انتخابات، لكانت تطلّبت عملياً تمثيل كل الطوائف وكل الفئات والأحزاب. كما أنه لا يجوز أن تشمل الحكومة الصقور من الطوائف الأخرى، أي “حزب الله” عن الشيعة وتيار “المستقبل” عن السنة، في مقابل الحمائم من الطوائف المسيحية، وغياب الصقور المسيحيين أي “التيار” و”القوات”.

المداورة

• ما رأيك في الكلام عن المداورة في الحقائب الوزارية؟ وماذا يقول الدستور بشأنها؟

ـ إنّ الحديث عن مداورة الحقائب في الظرف الراهن، يوحي وكأنّ الحكومة باقية الى أبد الآبدين، وأنّ عمرها يتعدّى الأشهر. فالحكومة تسقط تلقائياً بعد انتهاء ولاية رئيس الجمهورية. فما نفع المداورة إذاً؟

دستورياً، لا يوجد أيّ نص يتكلّم عن المداورة أو عن اللامداورة. إذ إن السلطة الإجرائية أنيطت بعد “الطائف” بمجلس الوزراء بعد أن كانت بيد رئيس الجمهورية. وبمعنى آخر، بات المجلس مجتمعاً صاحب القرار، أي عندما يلتئم. وبالتالي، لا يناط القرار بالوزير وحده. فهو كعضو في مجلس الوزراء والحكومة، يُعتبر مسؤولاً ومعنياً بكل الوزارات، لأنه شريك في القرار التنفيذي الذي يخص كل الوزارات.

• هل أنت مع حكومة عسكرية؟

ـ طبعاً لا. فتشكيل حكومة كهذه لا يكون إلّا إذا كانت هناك نية لتطيير الجيش، مثلما حصل في السابق خلال عهد العماد عون، فقُسّم الجيش عشرين “شقفة”. اليوم لا يزال الجيش موحّداً، فهل ينوون تقسيمه؟

التمديد لرئيس الجمهورية

• لماذا لا يحقّ لرئيس الجمهورية أن يصرّف الأعمال، في حال تعذّر انتخاب رئيس جديد كما هي الحال مع رئيسي الحكومة ومجلس النواب؟

ـ من الذي يتّخذ قرار التمديد للمجلس النيابي عادةً؟ أليس رئيس الجمهورية والحكومة معاً؟ ألم يؤكدا قبل التمديد الأخير للمجلس إمكانية إجراء الانتخابات؟ ألم يرسلا مشروع القانون الى المجلس؟ لكن المجلس لم يقر القانون، ومدّد لنفسه بنفسه من دون الرجوع الى أحد، ولذلك أعلن رئيس الجمهورية حينها أن هذا التمديد غير شرعي.

بالنسبة الى رئيس الجمهورية، فلا يحق له التمديد لنفسه، لأنّ الدستور قد حدّد له في حال تعذّر انتخاب رئيس جديد، وكيلاً ينوب عنه، ألا وهو مجلس الوزراء مجتمعاً.

• ألا يعتبر ذلك إجحافاً بحق المسيحيين؟ وألا توافق على تعديل المادة 49 من الدستور حول صلاحيات رئيس الجمهورية حتى يحق له تصريف الأعمال؟

ـ إبحثي لي في الدستور عن أي فقرة أو بند يحدّد أن على رئيس الجمهورية أن يكون مسيحياً أو رئيس المجلس شيعياً أو رئيس الحكومة سنياً. لقد بات ذلك على مرّ السنين عادة، ولكنه ليس عرفاً. لأن للعرف تعريفاً آخر: فعندما يكون لدينا نص دستوري يحتاج الى تفسير، تصبح طريقة تطبيقه عرفاً، إلّا أنّ ما حصل، تمّ من دون وجود أي نصّ حوله، فتحوّل مجرّد عادة. وبالتالي، أنا لا أوافق على تعديل المادة 49، لأن التمديد يصلح لمَن ليس له بديل. فلا فراغ في الرئاسة طالما هناك بديل.

وللتذكير، فإنّ التمديد للرئيس الياس الهراوي، رحمه الله، حصل بناء على طلب الحكومة بتعديل الدستور. ولهذه الغاية، اجتمع المجلس آنذاك، بأكثريته، وكنت شخصياً رافضاً التعديل، فصَوَّتُ ضده واعتبرتُ ذلك انقلاباً على السلطة. واليوم، فإنّ أيّ حال تمديد هي انقلاب على السلطة، ولن يكون الرئيس شرعياً. مع العلم أنّ أزماتنا الكبرى قد بدأت منذ التمديد للرئيس الهراوي، بحيث خسرنا في شهر واحد 4 مليارات ليرة.

المصدر:
السفير

خبر عاجل