التوتر المذهبي بين بعض السنّة وبعض الشيعة، خلق مع الأسف حالات من الخطأ المتبادل بين الفريقين، وصل الى حد الخطيئة في حق الوطن ومؤسساته العسكرية والأمنية والقضائية، ما يهدد دورها وفاعليتها كمؤسسات اساسية ضامنة لحقوق المواطنين جميعا، وسلامتهم وارواحهم وأمنهم، فالشيعة ينظرون بريبة وحذر الى دور مؤسسة قوى الامن الداخلي منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وفي شكل خاص دور شعبة المعلومات التي كان لها اليد الطولى في كشف العديد من الجرائم والتفجيرات وشبكات التجسس الاسرائيلية، وفي الوقت ذاته يشكو السنة اضافة الى جماعات سلفية من هذه الطائفة وجماعات اخرى معتدلة، مما اسموها تصرفات منحازة من الجيش، وفي شكل خاص مديرية المخابرات، اضافة الى شكاوى من الطرفين وتشكيك في حياد القضاء ونزاهته وتجرده وفقاً لمذهب القاضي ولميوله السياسية.
هذه الحالة المرضية المدمّرة، طارئة على الحياة السياسية والاجتماعية في لبنان، لكنها ليست وليدة العدم او الصدفة او التجنّي فحسب، بل ان حدّة الصراع السياسي المتشابك مع الاعتبارات المذهبية احياناً والطائفية احياناً اخرى، افرزت عدداً من الاحداث حام حولها العديد من الشك وعلامات الاستفهام حيث ظهر فيها الانحياز لفريق دون آخر بوضوح كامل وفاقع ولا يمكن قبوله او تبريره، كما ان بعض الاتهامات كانت احياناً غير صحيحة ومفتعلة والقصد منها تشويه السمعة لا اكثر او اقل.
اللافت في امر الاضاءة على هذه الحالة، ان قوى 8 آذار بجميع مكوّناتها المذهبية والطائفية، تتكلم لغة واحدة في حق شعبة المعلومات هي لغة الاتهام والرفض والعداء، في حين ان الاكثرية من قوى 14 آذار تعلن دائماً تمسكها بالجيش وبدوره واجهزته و«تغفر» له اخطاءه، اذا حصلت، وتعتبره صمّام أمان لا يمكن الاستغناء عنه في سعيها الى قيام دولة المؤسسات والقانون والمساواة والشرعية، ولو ان 14 آذار تناصب العداء للجيش، كما تفعل 8 آذار بالنسبة الى شعبة المعلومات، لكان لبنان تحوّل منذ زمن طويل الى غابة والى دولة فاشلة في جميع وجوهها.
هذا التمسك بالجيش وبأجهزته ودوره، يحمّل قيادة الجيش وكبار ضباطه مسؤولية كبيرة، اساسها ان يكونوا بمستوى هذا الايمان الشعبي، بأن الجيش قادر على حماية اللبنانيين، ان هو حزم أمره، وارتفع فوق الخصومات السياسية والطائفية والمذهبية، وان هو اشعرهم بأنه يقف بالمرصاد لكل من يتعدى على الدولة، وعلى القيادات والافراد والاحزاب الذين يعتبرون ان السلاح الشرعي هو حمايتهم، وليس اي سلاح آخر، ومن هذه النقطة بالذات يمكن اثارة موضوع الطائرة «المجهولة» التي تستهدف منذ فترة منطقة معراب حيث مقر حزب القوات اللبنانية ومنزل رئيسه الدكتور سمير جعجع، وهذا الصمت المريب من الاجهزة الامنية كافة، ومن بكركي، ومن العديد من القيادات المسيحية وغير المسيحية، رغم «ابلاغهم» بالامر اكثر من مرة، مع انه من واجب هذه الاجهزة ان تكون السباقة، بما تملك من قدرات واجهزة ومسؤوليات، الى كشف حقيقة هذا الاعتداء الجوي، وخلفياته ومن يقف وراءه، ليس من اجل التطمين او التحذير وحسب، بل للتأكيد ان هناك عينا للشرعية ساهرة على سلامة المواطنين، والسؤال الاساس هو، هل تستطيع الدولة بمسؤوليها ان تتحمل في هذه الظروف المضطربة، مسؤولية ـ لا سمح الله ـ اغتيال شخصية سياسية بحجم سمير جعجع؟؟!
لا تدفعوا اللبنانيين الى الحماية الذاتية، لأنها ستحول لبنان الى غابة من السلاح والموت المجاني، لان هناك جهة لم تقم بواجباتها كما يفترض ان تكون.