لحسن الدراية والمسؤولية الاعلامية والصحافية عموما هذه المرة ان اللبنانيين لم يشاهدوا صورة رأس الانتحاري الذي فجر نفسه في الشويفات الا من شاهدها عبر الهواتف الذكية (واي ذكاء هذا) ومواقع تواصل (والنعم من تواصل كهذا)!
المسألة لا تتعلق هنا بالسلوكيات الاعلامية، ولا فضل للاعلام في ان يبقي لنفسه بقايا معايير محترمة. بل انها مسألة اشد خطورة بكثير تتعلق بحرب على الانسانية. لنضع الغرغرة والثرثرة اليومية السياسية جانبا في مواجهة ما لم يسبق للبنانيين ان شهدوا مثله في كل ما تعاقب عليهم من حروب همجية. ظاهرة الانتحاريين هذه التي بدأت مع ١١ ايلول الاميركي وتضرب منذ عقد العراق وتتمدد الان في كل الاتجاهات في المنطقة لم تعد عنوان الارهاب السياسي بل عنوان حرب على الحضارات والانسانية بدءا بضحيتها الاولى المغسول الدماغ الذي يشكله الارهابي الانتحاري. ذلك ان التعريف الموضوعي له انه انسان يحتقر انسانيته ويكفر بهبة الحياة البشرية أيا تكن الدوافع التي تؤدي به الى ارتكاب أفظع الفظائع بهذه الطريقة من تشويه الانسانية.
لذا ترانا كلبنانيين لا نصدق ان يبلغ الامر بنا حدود “انتاج” هذا النوع من الاجرام المرعب على ايدي لبنانيين اذا صح ان التنظيمات المصدرة للارهاب صارت لها عندنا “أرض جهاد”. في اشد حقبات الحرب اللبنانية السابقة لم تبلغ الامور حدود الصدمات المرعبة كتلك التي يشهدها اللبنانيون الآن بهذه التكتيكات الارهابية الجوالة. وتبعا لذلك، فإن الصدمة الاكبر ايضا التي لا تفارق اي لبناني مهما كابر في تبعيته السياسية لاي فريق وجهة ومذهب وطائفة ومنطقة تتأتى من انتظاره العبثي انقلابا سياسيا انقاذيا جذريا يتيح سد بوابات أهوال الحرب السورية والتفرغ للارهاب الذي عشعش في الداخل.
قد يكون الأسوأ من التحسب لتفشي فصول هذه الحرب ذلك المشهد المثير لكل القنوط مع اندفاع السياسيين الى كرنفالات الادانة في وقت تقترب فيه ازمة التحجير على ولادة حكومة انتقالية من شهرها العاشر. يكاد ذلك يوازي التواطؤ مع الارهاب وعقول مديري غرفه المعتمة ومن يستفيد منه في توظيف الفتنة اللبنانية لا أكثر ولا أقل. بات اللبنانيون يتساءلون في عز تصاعد الرعب عما اذا كانوا في حاجة الى حكومة وامن حديدي ام الى طاردي الارواح الشيطانية وعلماء النفس والاجتماع لصد هذه اللعنة وهذه النكبة التي تطاردهم يوميا؟ لعنة انتحاريين لا يقيمون وزنا للحياة البشرية وللانسانية، ولعنة انهيار سياسي الى حدود الانتحار الوطني الشامل. أم لعلنا ننتظر “رقية” تزيح عنا اللعنتين وصيبة العين لان من ينصبون أنفسهم على مصير اللبنانيين فقدوا كل بقايا القدرة على الصعود من قعر الهاوية؟