|
|
||||||
دخول لبنان في نموذج العنف العراقي، المتمثل في الانفجارات المتنقلة، له أسبابه التي لا ينكرها إلا كل مكابر. الاحتقان السياسي، والشقاق المذهبي، وانتشار الغلو، كلها أسباب تهيّئ الأرضية لهذا الشكل الجنوني من العنف، لكن تورط “حزب الله” في سوريا، وشد عصب طائفته دعماً لهذا التوجه، شكلا المزلاج الذي فتح علينا أبواب جهنم.
إنه لمن لزوم ما لا يلزم التذكير بأن “حزب الله” قد أقحم نفسه وأقحمنا معه في مغامرةٍ، هي الأخطر على الإطلاق، وسواء أقر بذلك أو لم يُقر، فالحقيقة ساطعةٌ إلى درجة أن لا ضرورة لإضاعة الوقت في تفسيرها، ووجوب الانتقال فوراً للحديث عن ظاهرة الانفجارات المتنقلة، من خلال النظر إليها من جوانب أخرى:
أولاً: مع الأخذ في الاعتبار ما سبق كله، وأن “حزب الله” قد جنى على نفسه، وعلى السوريين، وعلينا، فإنه لا ينبغي تبرير الإجرام المتنقل، ولا يجوز بحال من الأحوال إظهار الشماتة أو اللامبالاة، أو النقص في التعاطف، أو التهاون في الإدانة للمجرم (المُفجّر)، وبذل الحماية للضحية.
ثانياً: برغم أن الذي يفجّر نفسه، يظن أنه يحسن صنعاً، لأنه وفق اعتقاده – يستهدف البيئة الحاضنة لـ”حزب الله” والمؤيدة لقتله السوريين، وذلك من باب الرد بالمثل، كما ورد في أكثر من بيان لجبهة “النصرة” وأضرابها، إلا أن المعلوم من الدين بالضرورة “ألا تزر وازرةٌ وزر أخرى”، وأنه لا يجوز قتل الآخر، بسبب الاختلاف معه في الموقف، ولو كان الاختلاف حول إجرام بشار الأسد نفسه، فكيف إذا كانت التفجيرات عمياء، تصيب الرجال والنساء والشيب والشباب والأطفال الرضع، وشظاياها لا تسأل – على أي حال – أحداً عن اعتقاده أو موقفه السياسي؟!
ثالثاً: لا ينبغي بحال التمييز في الموقف من الإرهاب، على أساس سياسي، فكما أن قتل الناس جملةً في المناطق المؤيدة للحزب إرهاب مدان، فإن قتل المصلين في المناطق المناهضة للحزب إرهاب مدان أيضاً، والترجمة العملية لذلك لا تكون بالكلام “الرخيص”، وإنما بالموقف العملي من العدالة، التي ينبغي أن تأخذ مجراها بما لا يدع مجالاً لأحدٍ، أن يشعر بأن وراءه حزباً أو طائفة تحميه. يسري هذا الكلام على الذين اتُهموا بالتفجيرات في الضاحية وأوقفوا، كما يسري على الذين اتُهموا بتفجيرات طرابلس ولم يوقفوا، مع مراعاة الأصول في التوقيف والتحقيق للجميع، وأن يقوم أحد بأمنه الذاتي، أو يقطع الطريق بعناصر حزبية تمارس عمل الدولة اللبنانية (ما يجري على طريق اللبوة – عرسال مثلاً).
رابعاً: مع أن الحل الأقصر والأفضل أن يعلن “حزب الله” وقف تدخله العسكري في سوريا، فإن المعلوم راهناً أن الحزب ليس بهذا الوارد، وأن هروبه إن حصل فسيكون للأمام. وعليه، فإنه لا ينبغي استسهال الموقف والطلب من “حزب الله” ترك معركته الوجودية وفق تعبير أمينه العام – لأنه لن يفعل، ولا يمكنه أن يفعل (ولعل المناهضين للحزب سعيدون بالمحرقة التي أقحم نفسه فيها هناك أيضاً)، بل ينبغي البحث عن حلول داخلية تحمي لبنان، لأن الواقع الحالي إن استمر فسيقضي على البلد كله، بعد القضاء على نسيجه الاجتماعي، وبنيته الاقتصادية، ومؤسساته الأمنية… وقد يدفع إلى الاحتراب الأهلي أيضاً.
خامساً: لن تكون أية معالجة أمنية وحدها كافية للوقوف في وجه من يرغب بالموت، لكن العِبَر مما يجري كثيرة، فمحاصرة واستهداف الاعتدال، والاستكبار على الشراكة الوطنية، وتسعير الخطاب المذهبي، لن يثمر إلا ما نرى، وفي المقابل، فإن محاصرة التطرف لا تكون إلا بشراكة وطنية حقيقية، وإشعار المكونات الوطنية كافة بالارتياح، أما التحريض مذهبياً أو مناطقياً فلن يجر إلا مزيداً من الغلو. النبرة العالية والعضلات والاستقواء بالسلاح لا تنفع في هذا المجال، وإنما التواضع والتفاهم.
المرتكزات السابقة، وغيرها، من شأنها أن تقدم بعضاً من حماية. صحيح أن الأخطار ستبقى موجودة طالما بقي الوضع على حاله في سوريا، وأكيد أن الخلاف السياسي والشد المذهبي لن يختفيا مهما كانت الحلول، إلا أن الصحيح أيضاً أنه لا بد من قيام حد أدنى من التفاهم الوطني الذي يحفظ ما تبقى من مقوماتٍ لهذا البلد، وإلا سيأتي يوم يسود فيه المتطرفون لدى كل طائفة، ولا يبقى للحكمة صوت وسط النار والدماء.