#adsense

رزق لـ”المستقبل”: ليس في الميثاق والدستور أي تصنيفات سياسية

حجم الخط

حتى لا تضيع معاني المفردات الدستورية التي قام عليها النظام السياسي اللبناني منذ العام 1943 في بازار تشكيل حكومة تأخرت ولادتها 11 شهراً، وفي ضوء تغييب مستمر لمجلس النواب ودوره، سألت “المستقبل” المرجع الدستوري والقانوني الوزير والنائب السابق ادمون رزق، أحد المشاركين في مؤتمر الطائف وواضع مشروع تعديل دستور الجمهورية الثانية، عن ماهية “الميثاقية” التي يكثر تناولها اليوم، لا سيما بعد ادخالها في الزواريب الحزبية من هنا وهناك.

فرأى أن:

1- الميثاقية هي صيغة نسبة الى “الميثاق” واستطراداً الى الوثيقة. المقصود بالميثاق الاتفاق الذي سمّاه الرئيس فؤاد شهاب “شرعة الكيان غير المكتوبة”، ذاك الذي وضع في العام 1943 ويصف لبنان بأنه “بلد عزيز وحر، وليس ممراً ولا مقراً لأي استعمار بمعنى الارتهان بكل معانيه. ولبنان المستقل، والعزيز والحر ذو وجه عربي، وبلد العيش المشترك بين الطوائف مسلمين ومسيحيين وغيرهم”. ولأن الحال على هذا النحو، فان هذا العيش المشترك “كان يقوم على نسبة معينة في مجلس النواب، 6 للمسيحيين و5 للمسلمين، ومناصفة في الحقائب الوزارية وفي الوظائف العامة على مستوياتها كلها”.

في العام 1989، بعد تفريغ رئاسة الجمهورية وتفسيخ الدولة، كانت الوثيقة (وثيقة الوفاق الوطني اللبناني)، أضاف رزق، وفيها أن لبنان وطن نهائي حر مستقل سيد عربي الهوية والانتماء تأكيداً لعروبة معيوشة. “وخصّصنا، في الوقت نفسه، العلاقة العربية والدولية وعضوية الجامعة العربية والامم المتحدة والتزام مواثيقهما والاعلان العالمي لحقوق الانسان. أقمنا المناصفة في مجلس النواب كما في الحكومة، وفي وظائف الفئة الاولى، من دون تخصيص اي وظيفة لأي طائفة. الامر نفسه ينسحب على الوزارات لأن الوزارة هي وظيفة عامة ايضاً”. وهذا يعني، بحسب رزق، أن “ليس هناك احتكار لأي وظيفة من اي طائفة او حزب. فالوثيقة لم تتطرق الى اي تصنيفات حزبية او سياسية على الاطلاق”. وميز: “الميثاق في البدء كان بين “المسلمين والمسيحيين في لبنان”، في حين ان الوثيقة هي “بين اللبنانيين، مسلمين ومسيحيين”، من دون اي تصنيف سياسي او تمايز او أفضليات”.

وقال: “إنّ التنسيب المذهبي في الحكومة هو عرفي، فعدد الوزراء الشيعة والسنة والموارنة في الحكومة متساوٍ، ضمن المناصفة العامة بين مجموع المسلمين والمسيحيين. واتفقنا في الطائف على السعي إلى تخطي الطائفية بعد انشاء هيئة وطنية تقترح الغاءها من أساسها توصلاً الى الغاء الطائفية السياسية. فمن غير الممكن أن تلغى الطائفية السياسية في وقت لا تزال الحياة العامة والسياسة كلها تقوم على الطائفية والمذهبية. لذا، كان يفترض ان تشكل الهيئة الوطنية في العام 1992، وان تضم، الى رئيس الجمهورية ورئيسي المجلس والحكومة، شخصيات سياسية واجتماعية وفكرية لاقتراح الغاء الطائفية، اي تحقيق المجتمع المدني العلماني”. وهذا هو جوهر المادة 95 من الدستور: “فلا الطائف ولا الدستور ولا الميثاق الوطني ولا وثيقة الوفاق الوطني بحثت في اي فرز سياسي او محاصصة سياسية. ولا علاقة للوثيقة ولا للميثاق بهذه البازارات التسييسية التحزبية والفئوية التي تعزف على الوتر الديني والاثارة الشعبوية وهي، بالنتيجة، شخصانية تنطلق من اعتبارات انانية وليس من انتماءات فكرية حضارية”. لذا، فان استخدام “الميثاق” او “الميثاقية” راهناً ينم “اما عن جهالة لمعانيها او عن نية التضليل لزعزعة أسس الشراكة الوطنية”. فالطائف كان “عهد حياة وعقد شراكة في المسؤولية. الحكم هو شراكة مسؤولية وليس تقاسم حصص وتوزيع مغانم. فالميثاقية، اذاً هي العيش المشترك وكل إقحام للتصنيفات السياسية والحزبية فيها يخرج عن روح الميثاق وطبيعته”.

2- ان تفريغ الرئاسة الاولى في العام 1988 أدى الى اعادة النظر في الميثاق. وما يجري الآن هو تكرار “للجريمة، لأن كل اثارة تفتعل لاعادة النظر في الوثيقة وتالياً في الدستور، هي تشكيك في العيش المشترك”. وساق رزق الى المعنيين مثالاً على عدم الميثاقية في الحكومات: “في العام 1988، قامت حكومتا أمر واقع، واحدة بلا مسلمين والثانية من دون العدد الموازي للمسيحيين مما شكّل اخلالاً بصيغة العيش المشترك والميثاق الوطني. فكان وجود الحكومتين جريمة ناشئة عن خطأ فادح، وطني وسياسي، أقرب الى الخيانة”. وأعاد نقض الميثاق الى أسبابه: “كان أول هذا النقض تمرّد قيادة الجيش بعدم ضمان أمن مجلس النواب لانتخاب رئيس الجمهورية، لمنع الشغور، ثم عدم تسليم السلطة لرئيس الجمهورية المنتخب (الشهيد رينيه معوض). فحكومتا 1988 كانتا تفتقران الى الميثاقية”. وأضاف: “لا يمكن فصل مبدأ الميثاق والوثيقة عن الدستور. ان الميثاق يشمل أولاً بسط سيادة الدولة بقواها الذاتية على الاراضي اللبنانية. فالسيادة هي المظلة لكل ما يسمى دستوراً او ميثاقاً او وثيقة، او وطناً وكياناً حراً مستقلاً”.

وتابع: “لا يجوز الخلط بين “الميثاقية والزبائنية”، لأن المحاصصة السياسية تنطلق من عقدة الزبائنية”. لذا، رأى رزق وجوب “العودة الى ثقافة الديموقراطية الحقيقية والانتماء الى دولة مكتملة السيادة والمقومات بمؤسساتها. ويقتضي وفقاً للدستور ووثيقة الوفاق اعادة بناء المؤسسات انطلاقاً من اعلان بعبدا الذي يندرج في خط وثيقة الوفاق. وهذا كله يحتاج الى من يعرف ويميز، ولديه الخبرة والادراك وثقافة الوحدة الوطنية الحقيقية، التي هي أبعد ما تكون عن فكرة المحاصصة والمصالح الآنية”.

وفي الاولويات التي حددها رزق “اعادة احياء دور رئاسة الجمهورية بقدر من المعرفة والخبرة والأهلية”. فثمة وجوب “لاعادة الاعتبار الى الكلمات فلا تفقد معانيها، لأنه لا يجوز استعمال التعابير والمصطلحات بما يتعارض مع معناها اللغوي ومدلولها العلمي. وما نراه اليوم خبطاً عشوائياً في استخدام هذه الكلمات مما يهين اللغة أولاً، ومن ثم مستخدمها فضلاً عن القارئ والسامع”. وطالب بـ”وجوب اخضاع متعاطي الشأن العام الى دورات تدريبية لمعرفة أصول استخدام الكلمات المناسبة في الخطاب السياسي لتركيب جمل مفيدة!”.

وفي الخلاصة التي يراها رزق: “يجب التماس الحلول بالاساليب الديموقراطية، فيصدر رئيس الجمهورية بالتوافق مع الرئيس المكلّف، بعد تعيينه، حكومة “انقاذ وطني” من أشخاص غير ضالعين في العدائية، مؤهلين أخلاقياً وعلمياً، لهم الخبرة والصدقية، وليس في سجلاتهم ما يقلق… وعلى الجميع ان يقتنعوا بعبثيّة هذا التدافع الانتحاري، فنبدأ بتطبيق المحاسبة: الشعب للنواب، والنواب للحكومة. لأنه، كما يتألف فريق لعبة من لاعبين يتقنونها، فان فريق الحكم يجب ان يتألف من رجال دولة… يشعرون بمسؤولية العمل معاً لخدمة المواطن ومصلحة الوطن!”.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل