|
ل |
تعيش الرياض هذه الأيام أجواء الارتياح التي خلّفها الأمر الملكي الصادر عن خادم الحرمين الشريفين والقاضي بإنزال أقسى العقوبات بكل من: يُشارك أو يُحرّض أو يُموّل التنظيمات المتطرفة الناشطة خارج المملكة السعودية، أو من يُشجّع الشباب السعودي على الانتماء إلى حركات وأحزاب تعتمد العنف منهجاً، والانخراط في الجبهات والمنظمات المقاتلة في الخارج.
وتختلط أجواء الارتياح الشعبي الواسع، بمشاعر الحذر والترقب لدى شرائح واسعة من الشعب السعودي الشقيق، وخاصة في أوساط النخب الفكرية والأكاديمية والإعلامية، التي طالما تصدّت لحملات التغرير بالشباب السعودي، تحت شعارات ومسميات الجهاد، وتوريط المئات منهم في معارك وحروب خارجية، لا تمت إلى الجهاد بصلة، ولا علاقة للسعودية بها، كدولة وكشعب، لا من قريب ولا من بعيد!
وترى النُخب السعودية أن الأمر الملكي القوي والحازم، والذي يبدأ تطبيقه بعد مرور فترة السماح والمراجعة، أي شهر إثر نشره في الجريدة الرسمية «أم القرى»، يضع حداً فاصلاً لجولات النقاش والسجال التي نشطت في المنتديات السعودية، وعلى المنابر الثقافية والإعلامية في الآونة الأخيرة، حول الأدوار التي يقوم بها بعض رجال الدين، ومعهم رجال أعمال متمولين، في تحريض الشبان السعوديين على الانخراط في عمليات «عنف ديني»، وتشجيعهم على التوجه إلى الخارج، بحجة الدفاع عن إخوانهم في الدين.
وبدا واضحاً أن المراجع المعنية في المملكة كانت تتابع، وعلى مستويات مختلفة، تطوّر الخطاب التحريضي في بعض المساجد، وعلى الفضائيات الدينية الخارجية، إلى أن وصلت الأمور إلى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، لبث دعوات التغرير والتوريط لأجيال من الشبان، معظمهم لم يصل في مدرسته إلى المستوى الثانوي!
ويذهب بعض أهل الرأي المتنور في المملكة إلى حدّ القول بأن ظاهرة تشدّد الخطاب الديني لم تعد تشكّل خطراً على تماسك المجتمع السعودي وحسب بل انتقلت مخاطرها إلى داخل الأسر والبيوت السعودية، التي لم تعرف سابقاً مسألة الاختلاف الفكري، والتي وصلت في بعض المناطق إلى حدّ التناحر وشق الصف بين الأخوة في البيت الواحد، وبين الأقارب في العشيرة الواحدة.
* * *
ثَمة من يقول أن السلطات المعنية في المملكة كانت تتابع عن كثب المجريات والتطورات خطوة بخطوة، ومرحلة بمرحلة، ولكنها كانت تتردد في التدخل واتخاذ الإجراءات اللازمة، من موقع الالتزام بتوجيهات الملك عبدالله الحريص على دعم الانفتاح الفكري والثقافي، وعلى إشاعة ثقافة الحوار في المجتمع السعودي، حول القضايا والمسائل التي تهم حياة النّاس اليومية.
ولكن عندما وصل استغلال البعض لمناخ الانفتاح والحرية بإبداء الرأي إلى حدّ تهديد أمن المجتمع السعودي، كان لا بدّ من التحرّك الحاسم، وقد تولى الملك عبدالله شخصياً مسؤولية التصدّي لظاهرة التضليل الفكري والديني، وذلك منذ حوالى عشرة أشهر، قبل إصدار الأمر الملكي الحازم.
فقد التقى خادم الحرمين الشريفين في 23 نيسان من العام الفائت، بأعضاء هيئة كبار العلماء، ومعهم مجموعة من الفقهاء البارزين في المملكة، وكان صريحاً في حديثه، وواضحاً في تحذيره من مغبة خطاب التحريض للشباب، وتوريطهم في عمليات عنف في الخارج، وأشار الى أناس يغررون بالشباب وبصغار السن والأطفال، ويرمون بهم في أتون الأفكار التحريضية والأعمال الإرهابية.
بعد مرور أقل من سنة على عقد هذا اللقاء التحذيري، أصدر الملك عبدالله الأمر الملكي، والذي جاء فيه:
«يُعاقب بالسجن من 3 سنوات إلى 20 سنة، كل من ارتكب - كائناً من كان - أياً من الأفعال الآتية:
1 – المشاركة في أعمال قتالية خارج المملكة، بأي صورة كانت محمولة على التوصيف المشار إليه في ديباجة هذا الأمر.
2 – الانتماء إلى التيارات أو الجماعات - وما في حكمها - الدينية أو الفكرية المتطرفة، أو المصنفة كمنظمات إرهابية داخلياً أو إقليمياً أو دولياً أو تأييدها أو تبني فكرها أو منهجها، بأي صورة كانت، أو الإفصاح عن التعاطف معها بأي وسيلة كانت، أو تقديم أي من أشكال الدعم المادي أو المعنوي لها، أو التحريض على شيء من ذلك، أو التشجيع عليه، أو الترويج له بالقول أو الكتابة بأي طريقة.
فهل يحتاج هذا الكلام الملكي، القوي والحازم، إلى مزيد من شرح أو تفصيل؟
* * *
في الرياض تبقى الأولوية لحماية المجتمع السعودي من الفكر الإرهابي، وما يروّج له من «صناعة الموت»، بحجج وشعارات لا أساس لها في الدين، بل هي تشكّل انحرافاً خطيراً عن صراط الشرع المستقيم.
أما ما يتردد في الخارج عن هدف الأمر الملكي بنفي صبغة الإرهاب عن سياسات السعودية الخارجية، فلا يرى أهل الحل والربط هنا أنه كلام يستحق الرد عليه، لأنه يأتي في سياق الحملات المستمرة لتشويه دور المملكة العربي والإسلامي، والنيل من مكانتها الإقليمية والدينية.
ويُعيد هؤلاء إلى الأذهان كيف أن السعودية كانت تعاني من العمليات الإرهابية، التي شنتها «القاعدة» ضد أهداف استراتيجية حيناً، ومدنية أحياناً داخل المملكة، وأن إحدى العمليات الانتحارية استهدفت وزير الداخلية الحالي الأمير محمّد بن نايف.
كما أن السعودية كانت أوّل من أطلق مبادرة لإنشاء مركز دولي لمكافحة الإرهاب عام 2005، ثم كانت مبادرة الملك عبدالله بإنشاء مركز عالمي للحوار بين الأديان، يدعم ثقافة التسامح والمحبة والحوار بين الرسالات السماوية، وينبذ دعوات الكراهية والتعصّب.
مع بدء تطبيق الأمر الملكي في مطالع آذار – مارس المقبل، يكون الملك عبدالله بن عبدالعزيز قد وضع مدماكاً جديداً من مداميك الأمن والاستقرار، ليدعم مسيرة السلم الاجتماعي والوطني في المملكة.
إنها جولة أخرى في الحرب المستمرة ضد الإرهاب داخل السعودية وخارجها.