#adsense

«14 شباط» ذكرى للمستقبل

حجم الخط
يجب الفصل التامّ بين محطة استشهاد الرئيس رفيق الحريري والمسار السياسي الذي تبعها، إذ من الظلم تحميل الشهيد الحريري ما لا يتحمّله من أخطاء وخطايا سياسية ارتُكبت بالممارسة، ولو عن غير قصد، وأدّت إلى تمديد الوضع اللبناني المأزوم. فمناسبة 14 شباط هي وطنية بامتياز وأهمّيتها تكمن في الآتي:

أوّلاً، لا يمكن الحديث عن انتفاضة استقلال وثورة أرز ويوم مجيد في 14 آذار 2005، من دون التوقف أمام محطة استشهاد الحريري التي شكّلت الدافع الأساس للوصول إلى هذه اللحظة الوطنية التاريخية. فلا شكّ في أنّ التهميد لانتفاضة الاستقلال يتصل بظروف خارجية وعوامل داخلية بدأت مع الممانعة المسيحية، غير أنّه لولا استشهاد الحريري لما كان هناك من 14 آذار، إنّما، ربّما، شكلٌ آخر من الانتفاضات الوطنية.

ثانياً، 14 شباط حدثٌ مؤسّس باتجاهين: الأوّل فتح الطريق أمام تحرير لبنان من الوصاية السورية، والثاني أدّى إلى تغليب الخيار اللبناني لدى الطائفة السنّية على الخيار العروبي، أو كما قال الرئيس فؤاد السنيورة يوماً بأنّ انتفاضة الاستقلال صالحت اللبنانيين مع عروبتهم والمسلمين مع لبنانيتهم.

ثالثاً، لا يجوز التقليل من رمزية أنّ استشهاد الحريري قد يكون الأوّل من نوعه في التاريخ اللبناني الذي دفع الأمور باتجاه الوحدة لا التفكّك، والمصالحة لا الشرذمة، خلافاً للاغتيالات التي غالباً ما يكون من أهدافها، في موازاة الشطب الجسدي، جرّ البلاد إلى مزيد من الفرطعة والتجزئة والفتنة.

رابعاً، لا يجوز التقليل من أهمّية أنّ اغتيال الحريري أسقطَ مخطط إبقاء لبنان تحت نير الوصاية، والأهمّ أسّس لمسار العدالة عبر إنشاء المحكمة الدولية التي انطلقت أعمالها أخيراً. فهذا الاغتيال هو الأوّل من نوعه الذي استجلب العدالة الدولية لتضع يدها على ملفّ الاغتيالات التي وإن استمرّت بعد اغتياله لا بدّ من أن تؤدّي إلى معاقبة المجرمين وتضع حدّاً نهائياً لعملية الاغتيال السياسي.

خامساً، 14 شباط أعاد إحياء الميثاق اللبناني والتأكيد على معنى لبنان، وأنّ اللبنانيين، مسيحيين ومسلمين، قادرون على الاتفاق على أهداف وطنية واحدة، وصناعة خيارات مشتركة.

سادساً، إغتيال الحريري تحوّل إلى حدث وطنيّ، وبالتالي لا يجوز التعامل معه وكأنّه مسؤولية عائلية يعود لها وحدها قرار المسامحة والمصالحة، خصوصاً أنّه سبق هذا الاغتيال ولحقه اغتيالات عدّة خرجت من الإطار الخاص إلى الحيّز العام، فضلاً عن تشكّل محكمة دولية لمتابعة هذه القضية والقضايا الأخرى المتصلة بملف الاغتيالات الذي كلّ الهدف منه، ليس التخلّص من هذه القيادات لمجرّد التخلص منها، إنّما ضرب المشروع السيادي والاستقلالي في لبنان، الأمر الذي يعني أنّ مسؤولية التنازل أو التسوية أو المساومة هي مسؤولية 14 آذار بكامل مكوّناتها الحزبية والمستقلّة.

وهذا الكلام لا يعني السعي للانتقام والتشفّي، إنّما هو رفضٌ للتنازل عن كلّ قطرة دماء، إلّا بتسوية وطنية تعيد الاعتبار لجميع الشهداء الذين سقطوا دفاعاً عن القضية اللبنانية، وهذه التسوية لا يمكن أن تكون أقلّ من استعادة السيادة كاملةً.

14 شباط ذكرى للمستقبل لا الماضي، هي ذكرى تذكّر اللبنانيين يومياً بقدرتهم على التغلّب على الموت، وإدارة شؤونهم بأنفسهم وإثبات أنّ لبنان وطن قابل للحياة. رحمَ الله رفيق الحريري الذي بدمائه فتح الباب أمام الاستقلال الثاني…

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل