
كتب ألان سركيس في صحيقة “الجمهورية”:
شكّل توقيف القيادي في كتائب «عبدالله عزام»، الفلسطيني نعيم اسماعيل محمود، المعروف بإسم نعيم عباس، وتفكيك سيارة مفخخة في منطقة كورنيش المزرعة ضربة قاسية للمجموعات الإرهابيّة، واعتُبر هذا العمل صيداً ثميناً، لأنّ عباس هو من أخطر المطلوبين، وسيؤدّي توقيفه إلى تساقط الشبكات المتصلة به، خصوصاً أنّ عباس صُنِّف المطلوبَ الأوّل في ضوء اعترافات الشيخ عمر إبراهيم الأطرش.
“السيارة المفخّخة بيننا، وربّما كانت تستهدفنا”، هذا لسان حال أهل كورنيش المزرعة الذين صدَمهم هذا الخبر، فهم لا يعرفون من يكون عبّاس. وقد ساهمت سرعة الجيش واستعماله أسلوب المباغتة والمفاجأة في نجاح العملية، وهو بعد القبض على عباس، نفَّذ مداهمات في المنطقة وقطع الطريق الرئيس في الإتجاهين بين محمصة الرفاعي والبربير، وطلب من الموظفين الموجودين في المبنى الملاصق لمرآب السيارات في الكورنيش مغادرة مكاتبهم.
رصد دقيق
الجيش رصد عبّاس منذ مدّة، بعد ورود معلومات عن دوره في إعداد سيارات مفخخة وتفجيرها، وقد لاحقه منذ خروجه من مخيّم عين الحلوة، في عملية مراقبة دقيقة، أسفرت عن مداهمته والقبض عليه. ولم يلبث التحقيق أن بدأ، حتى اعترف عباس بتجهيزه سيارة مفخّخة لتفجيرها لاحقاً في الضاحية الجنوبية، وأنّها موجودة في محلّة كورنيش المزرعة، ومن نوع جيب RAV 4، تبيّن أنّه يحمل رقماً يعود الى سيارة Renault Clio يملكها نبيل نعيم من العقيبة.
عندها، دهم الجيش المرآب المسيّج بأسلاك حديدية، حيث رُكِنت السيارة المفخخة بين ستّ سيارات أخرى في صفّ واحد، وحطّم زجاجها من الخلف، وبدأ تفكيكها. وقدّرت زنة العبوة بنحو 100 كيلوغرام من المواد المتفجّرة والأحزمة الناسفة، إضافةً إلى عدد من القذائف.
إلى ذلك، اعترف عباس بوجود مخابئ لسيارات مفخّخة. وأعلنت قيادة الجيش أنّه أدلى باعترافات تثبت صلته بتفجيرات وقعت أخيراً. وفي هذا الإطار، عثر الجيش على أربعة صواريخ في خراج بلدة الدبّية ـ إقليم الخروب، مُعدّة للإطلاق على إحدى المناطق اللبنانية، وتردّد أنّها ستستهدف الضاحية الجنوبية في 15 شباط، ذكرى عماد مغنية. كذلك، دهم الجيش مخزناً في محلّة السعديات، وضبط داخله عدداً من الصواريخ من عيار 107 ملم، بالإضافة إلى كمّية من المتفجّرات، وموادّ لتصنيع المتفجرات، وأختام وهويات مزوّرة ومعدّات تُستخدم في التزوير. وتستمرّ التحقيقات مع الموقوفين لكشف ملابسات العمليات الإرهابية، والمخططات التي كانوا يعدّون لها، والمتورّطين الذين يقفون وراءها.
من جهتها، نفت “كتائب عبدالله عزام” في تغريدة على “تويتر”، “ما تناقله بعض وسائل الإعلام عن اعتقال قياديّ فيها”، مشيرةً الى أنّ “هذه الأخبار هي محاولات يائسة لصنع بطولات زائفة”.
وقضائيّاً، طلب مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي صقر صقر من الاجهزة الامنية مباشرة التحقيق مع نعيم عباس وشخصَين آخرين في القضية، وفتح التحقيق في سيارة البقاع. وهو كانَ ادعى على الموقوف علي حسين الحجيري، تبعاً للإدعاء على عمر الأطرش، بجرم الإنتماء الى تنظيم إرهابي مسلّح بقصد القيام بأعمال أرهابية، وأحاله الى قاضي التحقيق العسكري نبيل وهبة.
من هو عباس؟
نعيم عباس، يبلغ من العمر 43 عاماً، وهو من أخطر الإرهابيّين تدريباً، وقد غادر مخيّم عين الحلوة، حيث يقيم مع عائلته في حي حطين منذ يوم الجمعة الماضي. هو متزوّج، وعائلته لا تزال في المخيّم. حركته قليلة نهاراً، ويتحرّك فقط خلال الليل. إنضمّ عباس في مطلع شبابه الى حركة “فتح” ثمّ انتقل الى حركة “الجهاد الإسلامي” قبل أن يُطرد منها لخلفيات عديدة، أبرزها تنفيذه عملاً بلا علم الحركة، فانتمى الى “كتائب عبدالله عزام”، واتّخذ من عين الحلوة مقرّاً له ولحركته. وقد بدأت ميوله نحو التطرّف والأصولية تظهر عليه بعد توجّهه الى العراق أثناء الاحتلال الاميركي، وبعد معركة نهر البارد. وبعد توقيفه، عزّز الجيش تدابيره على مداخل المخيّم، وفتّش السيارات الداخلة إليه والخارجة منه، بحثاً عن أعوان له لا يزالون في المخيّم.
الكورنيش… مرعوب
الخوف والصدمة سيطرا على أهل كورنيش المزرعة، لأنهم لم يدروا ماذا جرى. ويروي صاحب أحد محالّ بيع المفروشات، البعيد نوعاً ما عن المرآب، أنّه “أتَينا صباحاً لفتح المحلّ، ورأينا الطرق مقفلة، فانتظرنا إلى أن انتهى الجيش من تفكيك السيارة”، لافتاً إلى أنّ “أهل المزرعة براءٌ من هكذا أعمال، ومن يقوم بها، هم فلسطينيون وسوريون يستغلون أرضنا لتنفيذ العمليات الإرهابية”.
حاوَلت المزرعة ومحيط الكولا العودة الى الحياة الطبيعية بعد انتهاء العملية، حيث أعاد الجيش فتح الطريق التي تُعتبر شريان العاصمة الحيويّ، من دون أن ينشر أيّ حاجز، وعادت حركة السير الى طبيعتها بعد الساعة الأولى ظهراً. في وقت كان المواطنون يسيرون بسرعة على الرصيف، ويحاولون قدر الإمكان الابتعاد عن المكان، وكلّما ابتعدوا عن مرآب السيارات يقولون أنّ “هنا أكثر أماناً”.
قرب المرآب يبسط بائع محارم أغراضه، وهو الذي حاول الوصول إلى عمله صباحاً، لكنّ الجيش منعه، وهو لا يعلم ماذا حصل. فالموضوع بالنسبة إليه ما زال مجهولاً وهو “مِتل الأطرش بالزفّة”. المرآب تحوّل مَعلماً، يشير إليه كلّ من يمرّ قربه، خصوصاً أنّ شعار “متى تنتهي الحرب الأهلية؟” مكتوب بأحرف كبيرة على جدرانه، وكأنّه يريد إخفاء ما في داخله، وهو الذي كانت ستنطلق منه شرارة التفجيرات المذهبيّة. العمّال داخل المرآب خضعوا للتحقيق، ولم يجد الجيش شيئاً في غرفتهم. أمّا السيارات المركونة، فبقيت داخل المرآب، بينها سيارة مرسيدس c300 رصاصيّة اللون، تحمل لوحة مجلس النواب.
إلى جانب المرآب، تقع محامص الحلبي، ويقول أحد المواطنين إنّ “كارثة كانت ستقع لو انفجرت السيارة بيننا”، مشيراً إلى أنّ “البعض ردّد أنّ عباس هو من يستأجر الموقف، ويركن السيارات فيه ليأخذها الى مواقع لاحقة”. ويصف ماجد الحلبي الذي يعمل في المحمصة الحال بـ”التعيسة، وقد ازدادت سوءاً بعد هذه العملية، فنحن لم نعرف شيئاً، بل قيل لنا إنّ الجيش أقفل الطريق وأخرج الناس، وما نطلبه هو الأمن والأمان وأن تتوقّف هذه الأعمال”.
الضاحية تتأثّر
بعد انتشار خبر توقيف عباس وتفكيك السيارة، شدّد الجيش إجراءاته الأمنية على الحواجز عند مداخل الضاحية الجنوبية خوفاً من وجود سيارات مفخخة أخرى، فيما خفّت حركة السير داخل الضاحية وفي اتّجاه الطيونة، وسيطر الفرح ممزوجاً بالغضب على الأهالي، خصوصاً أنّ من ينفّذ هذه الأعمال هم من جنسيات غريبة، مقيمة في لبنان.