ها أنتم حققتم إنجازكم الذي تصورونه إنجازاً “تاريخياً” واستولدتم لنا حكومة. وها نحن نرحب ونصفق ونهلل لها، لا عن اقتناع بصفاتها التاريخية مع اننا لا ننكر التقدير على مَن يستحق التقدير من وجوهها ووزرائها، بل لاننا أسوة باللبنانيين عموما نتعلق بأهداب الشرعية والنظام الدستوري ومشروع الدولة وانتظام المؤسسات وعدم تعرضها للفراغ كضمان حاسم وثابت للدولة ومصالح الناس.
لن نغرق بعد الآن في الجدل العقيم حول مَن كسب ومَن خسر وما بينهما مما يثير مزيداً من الثرثرة غير المجدية. انها تسوية حتمية في النهاية كباقي التسويات السياسية التي بات اللبنانيون معتادين اياها، والتي تفجر غالباً انفعالات شعبية كتلك التي رافقت ولادة حكومة الرئيس تمام سلام. الكل فرحون ومحبطون في آن واحد مما يعني ان منطق التسوية هو سيد الموقف بعد اعلان الحكومة. ما يعنينا الآن تحديدا هو ان تثبت هذه الحكومة انها حكومة لبنان، كل لبنان، وأنها الاداة الشرعية الحقيقية لتحقيق مصالح لبنان والمواطن اللبناني في الدرجة الاولى. هذه المصالح هي الحقوق الالزامية التي توجب على الحكومة أياً يكن عمرها، ولو أشهراً قليلة، ان تحمي المواطن اللبناني وتعيد اليه بقايا ثقة بالمؤسسات وبالنظام من خلال اثبات قدرة تشكيلة تجمع الاضداد على منع الاهوال المتدفقة من الحرب السورية والتورط فيها على لبنان.
وما يعنينا ان يصير الوزير، سواء أكان من 14 آذار أم من 8 آذار أم من الوسطيين، وزير اللبنانيين جميعا لا وزير حزبه وفريقه وطائفته ومذهبه. وما يعنينا ان تزيل هذه الحكومة تلك الصفة البالغة البشاعة التي رافقت المحاصصات في اقتسام الحقائب او معظمها كأن الوزارة باتت مغارة منافع شخصية وحزبية ومرتعا للفساد المعشش في كل دوائر الدولة. ما يعنينا ان نرى تجربة ولو من باب الاحلام يبطل معها مفهوم الوصول الى الكراسي كأنه تجميع لمن وصفهم الرئيس فؤاد شهاب بـ “أكلة الجبنة” ولا يزالون من ايامه يتعاقبون على مسخ المسؤولية الدستورية والسياسية في لبنان.
لعلكم تدركون أكثر منا ان اللبنانيين فقدوا الامل في سلطة شفافة نظيفة سيادية استقلالية خالصة. لعلكم تدركون أكثر من الجميع ان صورة الطبقة السياسية اليوم لم تبلغ يوماً هذا المستوى من الانحدار والسوء والقتامة. ومن حق الناس الذين تحمّلوا ويتحمّلون كل مصائب البلد والذين صبروا أكثر مما صبر أي شعب في العالم، ان يحلموا بتغيير ولو محدوداً يبدأ مع حكومة قيل لهم إن ولادتها بعد طول ازمات وانتظار ستكون بداية لتبديل المصير القاتم الذي يتحكم بلبنان بدءاً بالاعداد للاستحقاق الرئاسي ووضع حد للعبث بالمؤسسات وانتظامها.
لا نكبر احلامنا بل نضعها على مستوى الآمال القليلة المتواضعة للناس. نقول فقط فلتكن حكومة تحترم الدستور ومآسي اللبنانيين وأوجاعهم وأزماتهم بالحد الادنى. هل ذلك أيضاً مستحيل؟