8 آذار يحتاج إلى محاسبة كلّ مَن فيه وفي طليعتهم مستطلعو الرأي وخطباء "المُلاعنة"
المكابرة والنكد يحلان مكان النقد الذاتي
لم تستفق قوى 8 آذار من هزيمتها الانتخابيّة، وربّما لن تستفيق منها أبداً إذا ما استمرّت في أسلوب المكابرة والنكد.
يتذاكى المكابرون. يطعنون في "قانون العدد" عند احتساب عدد الذين فازوا، ويطالبون بالاحتكام إليه عند احتساب عدد الذين اقترعوا.
يتذاكى المكابرون. بل يهذي بعضهم. يضيّع هؤلاء وقتهم في التفتيش، بين ثنايا الخسارة المحقّقة، عن "انتصارات موضعيّة"، وعن "حالات صمود"، وعن "جغرافيا المعارضة المتمدّدة"، بل حتى عن "ابتهاج المعارضة بالنتائج"..
وما بين التذاكي والهذيان، ثمّة من يمنّي النفس بأنّ المعارضة "حافظت" على "مواقعها"، وأنّها عادت أدراجها سالمة كأنّ شيئاً لم يكن. لكن أنّى للمعارضة أن تحافظ على مواقعها وهي تقدّم نفسها الآن على أنّها "بلا ذاكرة"؟
فهل تحتاج قوى 8 آذار لمن يذكّرها بأنّها لم تخض الانتخابات النيابيّة من أجل "الحفاظ على مواقعها" ومن أجل "الصمود"، وإنّما من أجل "إعادة تشكيل السلطة"؟
هل تحتاج قوى 8 آذار لمن يذكّرها بأنّها كانت هي من فرض على الانتخابات النيابيّة مناخات "المباهلة"، والمباهلة لغة هي "الملاعنة" أي دعاء كلّ طرف بإنزال "اللعنة" على الطرف الآخر؟ أليست قوى 8 آذار هي التي فرضت منطق "المباهلة" عندما اعتبرت أنّها تخوض معركة انتخابيّة ضد العدو الإسرائيليّ ممثلاً بـ"ثورة الأرز"، فقبلت بالتالي أن يكون كل انتصار لها لعنة على مسيرة "الإستقلال الثاني" وأن يكون كل انتصار لمسيرة "الإستقلال الثاني" لعنة على.. المقاومة.
قوى 14 آذار رفضت في المقابل منطق المباهلة والملاعنة. خير دليل على ذلك برنامجها الإنتخابيّ الذي جاء في 14 نقطة يوم 14 آذار الماضي، ودعا، ليس أبداً إلى المباهلة بين "إنجاز التحرير" و"إنجاز الإستقلال الثاني"، وإنّما إلى "ضرورة توحيد إنجازين أساسيين في تاريخ لبنان الحديث، إنجاز التحرير وإنجاز الإستقلال، بدلاً من وضعهما، كما الحال اليوم، في مواجهة بعضهما البعض".
فهل ينهض عاقل واحد في "سدوم وعمورة الممانعة" للإعتراف بأنّه أخطأ عندما فرض منطق المباهلة بين إنجازي "التحرير" و"الإستقلال"، وأنّ السبب الرئيسيّ لخسارته الإنتخابات يعود إلى فرضه منطق المباهلة الذي أنقلب سحره عليه، كما أن النتيجة الجوهريّة لهذه الخسارة أنّه قد سقط، وإلى غير رجعة، آخر مشروع لإحلال هيمنة مذهبية شاملة بقوّة السلاح، وأنّه مع سقوطه يبتدئ العدّ العكسيّ لبناء الدولة ـ الأمّة اللبنانيّة على أساس الجامعة الإسلاميّة المسيحيّة، أي المساواة في المناصفة، والمناصفة في المساواة؟
إن لم تكن هذه هي وجهة النقد الذاتيّ بعد الخسارة الإنتخابيّة، فمعنى ذلك أنّ لحظة "إعادة التقييم" التي تداعت إليها قوى 8 آذار لن تتجاوز منطق "المباهلة" حيث انقلب السحر على الساحر، ولا حلم "الهيمنة" الذي سقط بعد أن صرف كل الرصيد الذي منحته له "حرب تمّوز"، إلا بإتجاه إحلال منطق "المكابرة" و"النكد"، وتقاسم حصص "المكابرة" و"النكد" بين فرقاء "المعارضة"، بحيث تكون "المكابرة" من نصيب "حزب الله" ويجيء "النكد" من حصّة العماد ميشال عون.
أوّل "المكابرة" إبتداع مبارزة بين "الأكثريّة النيابيّة" و"الأكثريّة الشعبيّة".. أي بمعنى آخر، قراءة النتائج بقانون انتخاب وهميّ غير ذاك الذي خيضت على أساسه الإنتخابات، أي ذاك الذي لم تكتف قوى 8 آذار بتبنّيه، بل سوّقت لنفسها مسيحيّاً بأنّها استطاعت فرضه بقوة السلاح حين اجتياح بيروت.
وأوّل "النكد" مطالبة العماد ميشال عون بـ"نصف حصّة المسيحيين"، مع أنّه نال 42% من أصواتهم، هذا مع احتساب الأرمن طبعاً، ومع أنّه جزء من تحالف خسر الإنتخابات على الصعيد الوطنيّ العام.
وأصل النكد، أن الفريق الذي ناور بداية بأنّه ربّما يتخلّى عن "الثلث المعطّل" إذ به يطالب عمليّاً بنصف حصّة المسيحيين بالحكومة، وبأقل قليل من نصف حصّة المسلمين في الحكومة، أي بحصّة الشيعة كاملة، وبالتالي فإن الفريق الذي يناور بتخلّيه عن "الثلث المعطّل" أصبح يطالب بـ"النصف المعطّل".. هذا بعد أيام قليلة على خسارته الإنتخابيّة تلك التي كانت القنوات الإعلامية لـ 8 آذار تنشر الإستطلاعات تلو الإستطلاعات، متجاوزة حتى الوقت المسموح به لذلك من قبل وزارة الداخلية، وذلك للإيحاء دائماً بأن النتائج ستفرق على مقعد أو مقعدين ولصالح 8 آذار.. والحال أنّها فرقت على 13 مقعداً ولصالح 14 آذار.. وإذا كان من محاسبة يمكن أن تجريها قوى 8 آذار في داخلها، فلمكاتب الإحصاء والإستطلاع هذه التي أضرّت "المعارضة" أكثر مما نفعتها، وتسبّبت في جزء أساسيّ من نكبتها الإنتخابيّة، فساهمت بالتالي في فك السحر الأسود.