العبر الاولية من فوز 14 اذار
المحامي جورج ابو صعب
هكذا كان …
هكذا وجب ان يكون …
هكذا يجب دائما ان يكون …
كما كنا نتوقع لقد انتصر منطق الدولة والسيادة والاستقلال الفعلي على منطق الدويلات والتبعية والسيادة المنقوصة – لقد انتصرت 14 اذار وعادت الامور الى مسارها الصحيح وعاد الحق الى اصحابه .
والان وبعد هذا الانتصار لا بد من مراجعة للعبر والاستنتاجات التي يمكننا الخروج بها من هذه التجربة الديمقراطية الحضارية والناجحة .
اولا : ان النتائج اثبتت بما لايرقى اليه الشك بان منطق الزعامة المسيحية الاحادية سقط واندحر، فالعماد عون لم يعد بامكانه الكلام عن صفة تمثيلية لسبعين في المئة من المسيحيين، كذلك لم يعد بامكانه اعتبار نفسه صاحب الحق الاول في رئاسة الجمهورية .
فالنسبة المسيحية للعماد عون لا تتعدى اليوم في احسن الاحوال (40%) اذا اخذنا بالحسبان ان فوز لائحته في جبيل كانت بثقل واصوات شيعية وفوز لائحته في
بعبدا كان ايضا بصوت وثقل الشيعة، من دون ان ننسى دور الارمن المرجح في المتن الشمالي .
وبالتالي فان اصوات الشيعة والارمن هي التي رجحت فوز لوائحه لا الاصوات المسيحية الراجحة، باستثناء كسروان وان لم يكن الفوز في كسروان لللائحة كاسحا كما سنرى بعد قليل .
ثانيا : ان الحقيقة الانتخابية التي لا تقبل النقاش ايضا هي في ان حزب الله وضع كل ثقله لانجاح الحليف المسيحي في مناطقه لان الحزب ادرك حجم "التسونامي" المضاد الذي ارتسمت معالمه قبل 24 ساعة من يوم الانتخاب اثر نداء وصرخة غبطة البطريرك مار نصر الله بطرس صفير. وفي هذا السياق تشير كل الدلائل الى ان صرخة غبطته اثرت فيما لا يقل على (30%) من الرأي العام المسيحي ما أدى الى انتقال الاكثرية المسيحية من ضفة العماد الى ضفة 14 اذار، وبالتالي خسر العماد عون الرهان الاكثري، وتجلت الخسارة بصورة اوضح في البترون وبيروت الاولى الاكثر تجاوبا تاريخيا مع مواقف البطريركية المارونية خاصة وان لكل من الاشرفية والبترون خصوصية مسيحية، الاولى من خلال تراث الرئيس الشهيد بشير الجميل والثانية من خلال عصيان المنطقة واهاليها على الوجود السوري خلال ايام الوصاية .
ثالثا : ان العنصر الحاسم الذي ساهم مساهمة مباشرة في سقوط الاكثرية المسيحية عن العماد عون تجلت اكثر في المفاعيل المباشرة وغير المباشرة التي كانت لمواقف الرئيس الايراني الاخيرة محمودي احمدي نجاد، خاصة عندما أعلن بصراحة ووضوح ان انتصار المعارضة في لبنان يعني انتصار الخط الايراني المقاوم في المنطقة، وقد ساعدت تغطية العماد عون لمثل هذه المواقف في زرع الشك والريبة في نفوس المترددين من المسيحيين، ما كان له الاثر البالغ في ارتداد الرأي العام عن العماد عون وتياره .
رابعا : ان فوز 14 اذار يعني توجه المزاج العام للبنانيين ولا سيما المسيحيين الى خط الاعتدال والسلام وخيار الدولة القوية القادرة، وتفضيله هذا الخط على ما عداه من خط مقاومة ومواجهة وعدم استقرار ودويلات. وقد دفع رجال من الصف الاول في المعارضة المسيحية ثمن هذا الخيار كالوزير جبران باسيل في البترون والوزير الياس سكاف في زحله واللواء ابو جمرا في الاشرفية. ما يوجب على قوى 8 اذار وخاصة العماد عون مراجعة استراتيجيته كاملة وحساباته في ضوء تلك النتائج .
وفي قراءة افقية لفوز لائحة العماد عون في كسروان نستطيع القول بانه ومن مقارنة عدد اصوات اخر مرشح فائز مع اصوات اول مرشح خاسر من اللائحة المقابلة لقوى 14 اذار فان الفارق في الاصوات لا يتعدى بضع مئات بعد ان كانت الفوارق عام 2005 تقاس بالاف الاصوات لا بل بعشرات الافها. وبالتالي فان المجتمع المسيحي في كسروان انقسم عاموديا بصورة كاملة ولم يمكن العماد عون من جعل انتصاره مريحا وكاسحا في تلك المنطقة .
خامسا : انطلاقا من مجمل هذه الملاحظات اعلاه يمكن استنتاج القراءة السياسية التالية :
1- سقطت الاحادية المسيحية في المناطق المسيحية للعماد عون، كما سقط ايضا صمام الامان المستقل لفخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان من خلال سقوط تجربة المستقلين خاصة في جبيل. ولعل سبب سقوط المستقلين عدم نضوج او اقتناع الرأي العام المسيحي بفكرة المستقلين امام الاصطفاف الحاد بين 14 و8 اذار، بحيث ان الرئيس سليمان بات يتمتع اكثر بحرية تحرك بعدما ازيلت نهائيا مقولة تشكيل تكتل نيابي من المستقلين الداعمين له ذات الارجحية في القرارات الصعبة او المصيرية .
2- تأكدت بصورة نهائية غير قابلة للجدل او الشك مشروعية وشرعية الاكثرية وقانونيتها، بحيث لم يعد بالامكان لاي طرف في المعارضة ان يعتبرها وهمية او غير قانونية او مشكوك فيها او مغتصبة للسلطة، وعلى قوى المعارضة ولا سيما حزب الله والعماد عون البدء بالتفكير جديا في استراتيجية جديدة ومقاربة جديدة اكثر واقعية وايجابية في التعاطي مع تلك الاكثرية الكبيرة المؤثرة التي تحققت في صناديق الاقتراع.
3- على حزب الله ان يفهم بان الاجماع على المقاومة والسلاح لم يعد مطلبا وطنيا وبان اللبنانيين اختاروا باكثريتهم نهجا مختلفا، ما يجب ان يحمل الحزب على مراجعة سياسته الداخلية بناء عليه والاقتناع بان السلاح لم يعد اولوية لبنانية اكثرية ولم يعد بالتالي من مشروعية له (اي السلاح). وفي هذا الاطار وفي ضوء التصاريح الاولية بعد اعلان النتائج واقرار المعارضة بالخسارة في الانتخابات لاحظنا باسف ان بعض مسؤولي حزب الله بدأ عملية التفاف على تأثير نتائج الانتخابات على السلاح وصرح احدهم بان السلاح والمقاومة يجب ان يبقوا خارج اي بحث، الامر الذي لا يبشر بان الاخوة في الحزب قد استوعبوا حقيقة رسالة الشعب اللبناني امس في الصناديق، ما يؤشر لمرحلة صعبة نرجو ان يتغلب فيها الوعي والحكمة وتغليب مصلحة الوطن على ما عداها من اعتبارات .
4- على الاكثرية الجديدة والحقيقية تحديث وتطوير خطابها الوطني والتعاطي اكثر مع هموم المواطن اليومية، فالتحديات الاقتصادية والمعيشية والحياتية التي تنتظر الاكثرية الجديدة في الحكم لن تقل صعوبة وخطورة عن التحديات السياسية والامنية والاستراتيجية التي تنتظرها. فالاكثرية مدعوة اعتبارا من اليوم الى وضع سياسات تطبيقية وعملانية لمعالجة قضايا الوطن والمواطن والى المزيد من توحيد الرؤى والمخططات الانقاذية للبنان كما الى تجاوز لعبة المصالح الانتخابية الاخيرة التي اساءت الى صورة الاكثرية اكثر من تهجمات خصومها عليها .
فالتجدد ووضع الرؤية الثاقبة والسياسات الفاعلة والناجعة ومعالجة الازمات بالحكمة والروية والهدوء هي المتطلبات التي ترافق تفويض الشعب اللبناني لها اليوم بعد ان قال اللبناني كلمته الحرة .
ويبقى ان نشيد بمعالي وزير الداخلية الاستاذ زياد بارود بنجاح رهانه وخياراته في تنظيم الانتخابات، وقد ربح التحدي ومعه ربح لبنان نفسه ولو ان الحقيقة للبعض تبدو مرة .