#adsense

يا شعوذة «أوراسية» لم تتم

حجم الخط

 

ما ينتظر أوكرانيا وروسيا ليس سهلاً. ليس نافلاً أنه، وبعد ما يقارب الربع قرن على سقوط الإتحاد السوفياتي تبرز دهشتان متناقضتان في وقت واحد: دهشة التنبه الى أنّه لم يسقط تماماً، أو أنه ما زال يتابع سقوطه حتى الآن، ودهشة التعجّب بأنّ هناك من لم يفهم بعد أنّه سقط شرّ سقطة. فرغم ثورة الاتصالات في ربع القرن الماضي، ما زال قسم كبير من الحدث الأوكراني وردّ فعل موسكو حياله يعيد علينا أشياء ومقولات سبقت رؤيتها وقراءتها في أيام البيروسترويكا والغلاسنوست.

أياً كان ترتيب الوقائع وروزنامة التداعيات اللاحقة، سيدفع سقوط فيكتور يانوكوفيتش موسكو الى المزيد من الانقياد وراء التفسيرات التآمرية المحض لكل ما يحدث حولها: امبريالية أميركية وأوروبية وفلول نازية ومنظمات غير حكومية وحركات مدنية وارهاب اسلاموي في وقت واحد.

هذا الحدث سيزيد سماكة الغشاوة على العين التي تنظر الى ما يجري من منطلق «نظرية المؤامرة الوجودية» التي تستهدف تدمير روسيا وتقسيمها، انما من شأنه في الوقت نفسه أن يقوي نظرة العين الأخرى، اذ يحرّرها من أيديولوجيا سيئة التجهيز غزت الدوائر القيادية والاستشارية في السنوات الأخيرة: البدعة الأوراسية.

والأوراسية ليست بنت اليوم. فهي نشأت في الأساس في المانيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، حيث تقاطعت أفكار ورؤى عدد من المفكرين والكتاب المندرجين في سياق «الثورة المحافظة» للتنظير لأجل اعادة صياغة العالم على أساس توطيد محور «روسيا – بروسيا»، وهذه التقليعة سميت «القومية – البلشفية» في جانبها الأكثر صخباً، وكانت جزءاً من الأفكار التي اعتملت في اليمين المتطرّف الألماني في العشرينيات وبداية الثلاثينيات، بما في ذلك على هوامش الحزب النازي وتخومه، وذلك في مقابل تيار آخر كان ينظّر لما هو معاكس تماماً: أن يكون لألمانيا امتداد امبراطوري واستعماري شرقاً، ومجال حيوي يتسع بشكل أساسي لسهول ومياه وسهوب أوكرانيا.

والحال أنه، بشكل عام، كانت هذه النعرة الأوراسية تستعاد في ألمانيا بالدرجة الأولى، ثم في روسيا بالدرجة الثانية، كلما عنى الأمر تقويض استقلال او وجود بولونيا، وهو ما حدث يوم معاهدة عدم الاعتداء بين هتلر وستالين، ثم عاد وحدث بين بريجنيف والمانيا الغربية اثناء التقارب بينهما دعماً لخيار الانقلاب العسكري في بولونيا نهاية السبعينيات، وعاد ووجد اصداء له في السنوات الأخيرة خصوصاً بعد وصول المستشارة المحافظة انجيلا ميركل الى المستشارية في برلين.

بالتوازي، في كل هذه المحطات كنا نرى تقارباً «أوراسياً» بين روسيا والمانيا عندما يتعلّق الأمر بالمسألة البولندية، وتعارضاً «أوراسياً» أيضاً بين البلدين عندما يتعلّق الأمر بالمسألة الأوكرانية.

وكما كانت الفكرة «الأوراسية» ضالة بعض المفكرين في المانيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، واذلالها باملاءات صلح فرساي، كذلك الفكرة «الأوراسية» في روسيا، يلفقها أمثال الكسندر دوغين وسيرجي غلازييف وغيرهما من المنظرين – المشعوذين، المشابهين لمشعوذي «المشرقية» عندنا، في ظل الشعور الروسي العام بالإذلال بعد خسارة الحرب الباردة، والإحساس بأن موسكو عاشت مرحلة من الإملاءات الغربية في التسعينيات، وانّ هناك من «طعنها في الظهر»، كالنخب القومية – الليبرالية المناوئة للهيمنة الروسية في الجمهوريات السوفياتية الأخرى.

بيد أنّ الفكرة الأوراسية في المانيا المهزومة كانت ممراً لليمين المتطرّف في زمن تقاطعت فيه مصالح روسيا السوفياتية والألمان المهزومين ضد «الامبريالية الفرنسية» في العشرينيات، ولم يلبث اليمين المتطرّف الألماني أن تجاوز هذا الممر، مبعداً رموز «القومية – البلشفية»، أنصار التقارب الألماني – الروسي، باستثناء الاستعادة الظرفية لشعاراتهم لمقتضيات المعاهدة مع ستالين وتقاسم بولونيا، قبل الانقضاض على الاتحاد السوفياتي لاحقاً. في أيام المعاهدة، انتشر التنظير «الأوراسي» وقتها للتلاقي بين «الثورتين» الاشتراكيتين، البنّية والحمراء.

أما «أوراسيا بوتين» فهذه أصابها الحدث الأوكراني في مقتل، طالما أنها «أيديولوجية» سيئة التجهيز تفترض من أبناء المقاطعات الشرقية والجنوبية نصرة أوليغارشي كيانوكوفيتش، وطالما أن أبناء هذه المقاطعات، رغم مناوءتهم للقوى التي سيطرت على كييف الآن، غير أنّهم لم يبد عليهم أن ثمّة دافعا صميما يمكنه أن يحرّكهم لنصرة بوتين ويانوكوفيتش. شيء من هذا حدث وقت سقوط الاتحاد السوفياتي. الملايين كانوا ضد سقوطه، لكنهم قبعوا في منازلهم. هذا هو الكابوس الحقيقي لفلاديمير بوتين. بخلاف الحالة الفنزويلية أو حتى الايرانية، حيث ثمة جماهير للطرفين، يدرك الأوليغارشيون في جمهوريات الاتحاد السوفياتي جيداً أنه في المواقعات الميدانية، عندهم ما تيسّر من أدوات قمع، وليست عندهم أدوات تعبئة حيوية يعتد بها.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل