#adsense

«الحزب» و14 آذار ومكافحة الإرهاب

حجم الخط
لم يكن حزب الله يحتاج في الأصل إلى تذكيره بـ«قواعد الاشتباك» الإسرائيلي المسموح له بها، سواءٌ تأكّدت الأنباء عن حصول غارة جوّية استهدفت مواقع له أو مخازن صواريخ أو قافلة منها.

وبعدما أصبحت ردود فعل الحزب على هذا النوع من الهجمات الإسرائيلية، تشبه ما درَج النظام السوري على تكراره بعد كلّ غارة إسرائيلية من أنّه سيختار الوقت والمكان المناسبين للردّ، يُخشى أن يكون «خيار المقاومة» قد تحوّل شمّاعةً الهدفُ منها محاولة الحزب الاحتفاظ بهذه الحجّة للتغطية على سلاحه وعملياته العسكرية التي لا تنتسب بأيّ شكل من الأشكال الى فعل مقاومة إسرائيل.

لكن ما ينبغي التوقف عنده في هذه العجالة هو محاولة طرح بضعة أسئلة، ليس على حزب الله وجمهوره فقط، بل على اللبنانيين جميعاً، بعدما دخل لبنان مرحلة فائقة الخطورة، تهدّد استمراره ككيان ونظام ودولة.

إذا كان الإجماع منعقداً لمصلحة اعتبار أنّ حلّ الملفّات التي يتخبّط البلد فيها، مرهون بما يمكن أن يحصل في سوريا وعلى صعيد الإقليم، فمن الأولى التفكير بالخيارات المتاحة أمام هذا الحزب للخروج من الأزمة التي أوقع نفسه وأوقع الطائفة الشيعية والبلد برُمّته فيها. وفي هذا السياق يصعب أن نغفل أن يكون الحزب غيرَ مكترث أو مَعنيّ بالتداعيات المحلّية للتورّط في الشأن السوري، إنّما الخطاب الأخير للأمين العام للحزب السيّد حسن نصرالله يُعبّر أقلّه عن ارتباكٍ ما بدأ يطاول مستقبل خيارات الحزب وجمهوره على حدّ سواء.

وبعيداً من تكرار ما يتردّد حول الأسباب الاضطرارية التي دفعت حزب الله وقوى 8 آذار إلى القبول بـ»التسوية» المؤقّتة وتأليف حكومة المصلحة الوطنية، كما وصفها رئيسها تمّام سلام، فإنّ منطق التسويات المؤقّتة نفسه يُتوقّع أن ينسحب على البيان الوزاري، على رغم الخلافات والتعقيدات والشروط والشروط المضادّة من هذا الطرف أو ذاك. لكنّ ما كشفه الخطاب الأخير يعكس الحذر الذي بات يتهيَّبه الحزب في المقبل من الأيام على لبنان والمنطقة عموماً، كما في ظلّ حالة الشكّ وعدم اليقين التي باتت تهيمن على جمهور هذا الحزب، مع اكتشافه يوماً بعد يوم أنّ ما غرق فيه من خيار سياسي وعسكري، يبدو أنّه اكبر بكثير، ليس فقط من إمكاناته وإمكانات طائفته، بل ومن قوى إقليمية أكبر منه بكثير.

أين يقف حزب الله بعدما تكشّفت حقيقة الأكلاف التي سيدفعها جرّاء خياره في التورّط في الحرب السورية؟ والأكلاف المقصودة هنا لا تُختصر بالكلفة البشرية على جبهات القتال داخل سوريا، ولا بالضحايا التي تسقط جرّاء الهجمات الإرهابية الانتحارية التي تستهدف بعض مناطقه. بل هي في انسداد الأفق أمام مشروعه السياسي داخل لبنان وفي المنظومة الإقليمية التي يتموضع ضمنها. هذا السؤال يصبح مشروعاً، وليسمح القارئ أن أكرّر ما ذكرته سابقاً٬ إذا ما كان الحزب يُدخل في حساباته وقراراته مصلحة لبنان.

إنّ الطائفة الشيعية تشعر اليوم بأنّها بدأت تدفع من «لحمها الحي» في ظلّ الكلفة المرتفعة التي حوّلت مناطقها «الحضرية» الرئيسة «غيتوات» مقفلة، ينشد القادرون من أبنائها النفاذ بأنفسهم إلى خارجها. فالضاحية الجنوبية التي ورثت موقع العاصمة بيروت بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما تلاها من اعتصامات وإقفال لشرايينها الرئيسة وصولاً إلى «غزوة» 7 أيّار عام 2008، ها هي اليوم تعود إلى جذورها الأصلية بصفتها ضاحية من ضواحي المدينة.

إذا صحّت المعلومات عن إقدام أعداد من العائلات على بيع أملاكها والتشتُّت في أرجاء البلد بحثاً عن الأمن والأمان، ناهيك عن اضمحلال الحياة الاجتماعية وضرب الدورة الاقتصادية في تلك المنطقة، فإنّ السؤال يصير أكثر إلحاحاً عن مدى شرعية وحقيقة الشعار الذي رفعه الحزب لتبرير حربه في سوريا. قد يكون الحزب مصيباً في اعتباره أنّ الخطر الذي يُحدق بلبنان واللبنانيين هذه الأيام، ناجم من الإرهاب الوافد إلينا من الخارج. لكن من قال إنّ هذا الإرهاب لن يتمكّن بعد اليوم من تأسيس قاعدته المحلّية، خصوصاً أنّ التربة التي ساهم الحزب نفسه في حراثتها، تبدو أنّها خصبة لهذا النوع من الإرهاب الذي بات يتغذّى بالانقسامات العمودية التي تضرب لبنان والمنطقة برُمّتها؟

يستطيع حزب الله أن يناقش ويحاجج خصومه بالقول إنّ انسحابه من سوريا لن يوقف سيلَ الانتحاريين. فبعد مضيّ ما يقرب من السنة على تورّطه في الحرب السورية، لم يعد مهمّاً التساؤل عمّن كان السبب في ما وصلنا إليه اليوم. لكن في المقابل، أيّ نقاش في استراتيجية مواجهة الإرهاب تقتضي البحث في طريقة إعادة تحصين الساحة اللبنانية عبر البحث في تسويات سياسية جذرية تعيد تعيين طبيعة السلطة والنظام السياسي في لبنان وإعادة إحياء المؤسّسات الدستورية بنحو متوازن، وتطبيق الاستحقاقات السياسية ورفع الغبن عن الأطراف التي هُمّشت منذ أن تمّ تطبيق اتّفاق الطائف تبعاً للتفسير السوري له وحتى اليوم.

لا يمكن مواجهة الإرهاب عبر إجراءات أمنية وحيدة الجانب، ولنا في تجارب الآخرين عبرة لمن يمكنه أن يعتبر، من باكستان إلى أفغانستان إلى العراق إلى اليمن. غير أنّ مطالبة حزب الله قد لا تستقيم إذا لم يلتزم الآخرون واجباتهم أيضاً، عبر الإقلاع عن نظريات التشفّي والاستغلال تبعاً لأجندات قد لا تكون في صلب مصالح اللبنانيين أنفسهم. فقوى 14 آذار مسؤولة هي الأخرى عن محاولة تقديم إجابات لبنانية لا تضمر استعادة هيمنات سياسية وطائفية جديدة.

وإذا كان الهدفُ محاولةَ استبعاد خيار الحرب الأهلية «المعلنة» مجدّداً عن اللبنانيين، فمن الأولى الإعلان قولاً وفعلاً عن رفض العودة إليها ورفض كافة المشاريع والمستنقعات التي تورّطت فيها الاطراف كلّها، سواءٌ داخل لبنان أو خارجه.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل