الورود… والألغام !
السماء السياسية الداكنة منذ زمن طويل، لا تمطر وفاقا ووداعة لمجرد ان صناديق الانتخابات اكدت نصرا مبينا للاكثرية وقوى 14 آذار.
نحن يا سيدي في لبنان، حيث الرؤوس المحشوة بالغضب تتحالف مع الالسنة المحشوة بالاتهامات. لسنا في اسوج ولا في بريطانيا. والذين كانوا يراهنون على انتصار المعارضة وربط لبنان بمحور الممانعة نهائيا وعلى اسكات خصومهم في "ثورة الارز" وإبعادهم، وحتى على سوقهم الى السجون تحت مزاعم الفساد، لم يتحولوا الآن بعد الانتخابات باعة للمغفرة على الطرقات.
والفساد عمليا نتيجة شراكة بغيضة بين الادارة الخارجية للبلد على امتداد عقدين من الزمن والذين ساروا في الركاب. اما الذين حاولوا انتشال المركب من المستنقع فقد استشهدوا ولو بعد حين. واما بعض الذين يدّعون الطهارة ويريدون اقامة محاكم التفتيش، فان جذور ثرواتهم المتنامية ضاربة في الفساد المتعفن وللناس في هذا البلد آذان وعيون.
❒❒❒
ماذا يعني هذا الكلام؟
انه يعني في بساطة كلية ان المعارضة التي خسرت انتخابات حاسمة كانت تفترض انها ستنتصر فيها، لن تسهِّل – ولو اعترفت الآن بالنتيجة في بعض قياداتها – أمام الأكثرية ان تمسك بالسلطة وتدير البلاد في جو من التفاهم يفتح صفحة جديدة كما يقال، بل هي ستمضي غدا في حفر الحفر وفي سياسات العرقلة والتعطيل، وذلك لسببين:
* اولا: سبب مرحلي، يضطر قيادات المعارضة الى ابداء هذا القبول الشكلي والنسبي بالنتائج، وخصوصا ان الانتخابات حصلت تحت انظار العالم ومن دون اي تدخلات خارجية. وخصوصا ايضا ان هذه القيادات طالما قالت انها ستحتكم الى صناديق الاقتراع لتبيان الاكثرية من الاقلية، وهذا امر استمر منذ عام 2005.
ثم ماذا تملك المعارضة الآن من اساليب التفشيل والتعطيل قبل تشكيل السلطة التنفيذية؟ وعلى اي اساس؟ ووفق اي مفهوم؟ قاعدة الدستور والطائف ام استثناء الدوحة؟
لم تقلع عجلات الاكثرية في السلطة. اذاً لماذا تستعجل المعارضة استعمال العصي؟ واين تضعها الآن؟ لذلك نسمع كلاما معارضا يقول: نحن ايجابيون وفاقيون ننتظر تقديم العروض من الاكثرية لنقرر!
❑ ثانيا: ان وراء هذا الهدوء عنصرا خارجيا مهماً يتصل بالحركة الناشطة في المنطقة، سواء في ما يتعلق بالتسوية التي تدفعها واشنطن نحو مؤتمر "مدريد 2"، وفي جو من التناقض والخلاف مع حكومة بنيامين نتنياهو، او في ما يتعلق بالحوار الاميركي – الايراني الذي سيبدأ بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية الايرانية التي اطلقت "عاصفة خضراء" في وجه الرئيس احمدي نجاد وسياسات التصلب والمراهنة على تغيير المنطقة انطلاقا من الفوز الذي كان مفترضا ان يكون من نصيب المعارضة.
❒❒❒
ان قشرة الوفاق والهدوء التي تسود الآن بعد فوز الاكثرية قد لا تكون اكثر من ورقة التين العابرة التي تستر عورة الانقسام والتعطيل، عندما تُفتح غدا الملفات الكبرى وهي:
❑ شكل الحكومة بازاء الثلث المعطل، والى اين يذهب. وكذلك بازاء مطالبة الجنرال ميشال عون بحصته على اساس النسبية، وهو الذي كان قد اصر على قانون الانتخاب الذي يعدم النسبية!
❒ المحكمة الدولية وما يمكن ان يصدر عنها، وما قد ينتج من هذا الاعلان من وقائع صاعقة ومتفجرة.
❑ الحوار الوطني حول الاستراتيجيا الدفاعية وسلاح "حزب الله".
❒ الحديث عن توسيع صلاحيات طاولة الحوار الوطني حضورا وملفات، بما يجعل منها حكومة رديفة او حكومة اولى وهو امر ينطوي على هرطقة دستورية.
❒ احتمالات فشل التسوية، وهي احتمالات راجحة بالتأكيد، وهو ما يطلق خوفا مبررا من عودة النار الى الجنوب ولبنان فالعدو الاسرائيلي يعد للحرب.
❒ احتمالات فشل الحوار الاميركي الايراني الذي سيجعل من إفشال حكومة الأكثرية في لبنان هدفاً متقدماً للمعارضة بدفع إيراني، ودائماً في ظل الشعار الذي اطلقه آية الله علي خامنئي من انه يجب هزم اميركا في لبنان!
❒ احتمال وصول الحوار الاميركي – السوري الى حائط مسدود بسبب تعنت اسرائيل في الجولان واصرار واشنطن على انتزاع دمشق من طهران. وهو ما سيضع الحكومة والدولة اللبنانية في مرمى التعطيل مجددا.
وامام كل هذه الاحتمالات الجادة على المستوى الاقليمي، يصير من الضروري الافتراض ان المعارضة التي لم ولن تبتلع موس الخسارة وهي تبتسم، قد تصبح مدفوعة غدا لان تفرش طريق الحكومة الجديدة بالحفر وحتى بالالغام لا بالورود!