ليس من الوطنية بشيء، ومن غير المنطقي او المعقول، ان يتصدّى فريق من اللبنانيين، بينهم وزراء ونواب ورؤساء احزاب وتيارات، لمطلب حيوي ويصبّ في مصلحة الدولة والشعب اللبنانيين، عنيت به ادراج اعلان بعبدا في صلب البيان الوزاري للحكومة ليكون خريطة طريق لها في مهامها المقبلة، في ذات الوقت الذي تجمع فيه الدول الخمس الكبرى صاحبة العضوية الدائمة في مجلس الامن بالاضافة الى المانيا وايطاليا واسبانيا ونروج والسعودية والامم المتحدة، وجامعة الدول العربية والبنك الدولي لدرس خطوات مساعدة لبنان، وفي مقدمها الحاجات الضرورية التي طلبتها قيادة الجيش اللبناني وتم التوافق النهائي عليها مع الجانب الفرنسي من هبة الثلاثة مليارات دولار التي قدمتها السعودية للبنان ليصبح للجيش اللبناني «اسنان» قادرة على صدّ الاعتداءات الخارجية، ومكافحة الارهاب وحماية السلم الاهلي، علماً بان الامم المتحدة ومجلس الامن وجامعة الدول العربية والدول الكبرى والصديقة والشقيقة، رحّبت باعلان بعبدا، واعتمدته وثيقة رسمية وتشجع اللبنانيين على الالتزام به وتنفيذه، صوناً للامن الداخلي من تداعيات القتال في سوريا اولاً، ومن التوترات والخلافات الاقليمية والدولية ثانياً، ومع ذلك يعمد فريق من الافرقاء المشاركين في الحكومة، ودون اي تبرير مقنع او مقبول، الى رفض هذا الاعلان واعتباره ميتاً من خلال مواقف متشنجة، يفترض بها ان تطيح بالحكومة قبل ان تبدأ عملها، على اعتبار ان الوزراء المحسوبين على 14آذار سبق لهم واعلنوا مراراً انهم متمسكون بهذا الاعلان تمسكهم برفض ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة، وبانسحاب حزب الله من سوريا، والا سوف ينسحبون من الحكومة جماعياً.
كيف يمكن لوزير خارجية لبنان جبران بـاسيل، ان يواجه المجتمع الدولي الكبـيرالمتـمثل بهذا الحـشد من الدول العازمة على مساعدة لبنان، عندما يثار هذا الموضوع من زاوية تحييد لبنان عن الصراعات الخارجية وتنفيذ خطة بتسليح الجيش وتعزيزه عدة وعددا ليصبح القوة الشرعية الوحيدة الممسكة بالامن الداخلي مع القوى الامنية الاخرى، وبامن الحدود مع قوات الطوارئ الدولية التي تنفذ القرار الاممي 1701 والتي قد تساعد لبنان، اذا طلب ذلك، في اغلاق «معابر الموت» الحدودية، كما وصـفها وزير الداخلية نهاد المشنوق، او ماذا سيـكون عليه موقف رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان عراب هذا الاعلان، وحامل لوائه ويعوّل عليه الكثير لحماية لبنان، اثناء لقاءاته بزعماء العالم ورؤساء الدول الذين اعتبروا الاعلان بمثابة انجاز لبناني غير مسبوق بعدما وافق عليه الجميع في حينه، ثم تنكروا له رغم قيمـته المعـنوية والعملية في حال التزمت به الاطراف جميعها.
***
مكافحة الارهاب ليست مسؤولية فريق لبناني واحد او فريقين او ثلاثة، انها مسؤولية الدولـة بقواها الامنية المتعددة في الدرجة الاولى، بالتضـامن والتكافل مع جميع اللبنانيين، من ضمن خطة وطنية شاملة تضعها اما السلطة السياسية الشرعية، واما قيادة الجيش، ويلتزم بها الجميع في ضوء التزامهم باعلان بعبدا، وتجنيب لبنان ويلات الحريق المندلع على حدوده، خصوصا في هذه المرحلة الصعبة المأسوية التي يمر فيها لبنان، والمتوقع ان تزداد خطورة في حال لم يقدّر المنغمسون في الاتون السوري، كائناً من كانوا، انهم ليسوا اوصياء على لبنان واللبنانيين، وليس لبنان واللبنانيون، ورقة بأيديهم، يستعملونها كيفما شاؤوا.
العدوان الاسرائيلي الاخير على لبنان، ليس روتينياً او عابراً هذه المرة في الزمان والمكان، والرؤيوي هو من يقرأه جيداً.