
كتبت صحيفة “اللواء”:
لم يمنع مأزق صياغة البيان الوزاري الذي وصفه مصدر وزاري مشارك بأنه «مأزق حقيقي» من تحديد موعد جديد بعد غد الاثنين، لتعاود لجنة الصياغة ايجاد لغة مقبولة لتجاوز هذا المأزق وولادة البيان لاذي بات بحكم المؤكد ان الاشتباك حوله نقل الخلاف السياسي الى مستوى الخلاف الدستوري، بعدما وضع الرئيس ميشال سليمان من جامعة الكسليك «معادلة ذهبية» جديدة هي: «الارض والشعب والقيم المشتركة»، معتبراً ان معادلة «الجيش والشعب والمقاومة» هي من زمن مضى وهي تنتسب الى «اللغة الخشبية» التي تجاوزها الزمن.
وليس من قبيل التهويل القول ان العد العكسي بدأ بنفاذ مهلة البيان الوزاري المحددة بـ30 يوماً حيث انه بتاريخ الاثنين 3 آذار يكون مضى 17 يوماً على صدور مراسيم التأليف، ولم يعد يتبقى من المهلة الدستورية سوى 13 يوماً، الامر الذي يقتضي العودة الى الاجواء السلسة التي تميزت بها الجلستان الاوليتان للجنة والتي اوحت ان قوة الدفع التي اخرجت الحكومة الى النور ما تزال قادرة على اخراج البيان الوزاري باسرع وقت ممكن.
وبحسب مصادر سياسية، فإن اي تأخير في انجاز البيان بعد مطلع الاسبوع المقبل يصبح في نظر المسؤولين السياسيين غير مبرر، وان المطلوب اليوم الاقلاع عن التمسك بنصحرفي معين واللجوء الى توسيع الاطر الضيقة، والتطلع الى ما يؤدي الى تغليب المصلحة العامة.
وقالت هذه المصادر ان التأجيل الجديد لاجتماعات اللجنة يفقد امكانية عقد جلسة الثقة في مجلس النواب قبل الخامس من آذار، لا بل تصبح معدومة، حتى ولو أقر البيان في مجلس الوزراء خلال الاسبوع المقبل، نظراً لحاجة الوزراء الى مراجعة البيان وتدوين الملاحظات عليه قبل 24 او 48 ساعة من موعد الجلسة.
وعلى ذلك، فإن الحكومة لن تتمكن من نيل الثقة قبل مشاركة لبنان بوفد يرأسه رئيس الجمهورية الى باريس للمشاركة في اجتماعات مجموعة الدعم الدولية في الخامس والسادس من آذار الجاري.
وبصرف النظر عن اسقاط نظرية «يجب ان كون» ويجب «ألا يتأخر»، فإن مصادر معنية تتساءل عن التطورات التي قلبت الصورة، وجعلت الفريقين 8 و14 آذار يمترسان وراء مقولة «الجيش والشعب والمقاومة»، ورفض ربطها بمرجعية الدولة و«اعلان بعبدا» الذي يرفع الغطاء عن مشاركة حزب الله في الحرب السورية، بعدما كانت نهجية النقاش تعتمد الصياغة التي تقضي بإبعاد النقاط الخلافية السياسية عن البيان والاكتفاء بثلاث صفحات ذات صلة باتفاق الطائف واولوية مكافحة الارهاب والشؤون الاقتصادية والمعيشية.
وترى المصادر، في معرض الاجابة، ان التلبد في المناخ الدولي الاقليمي، لا سيما بعد الغارة على «جنتا» ومجيء رئيس لجنة الامن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الايراني علاء الدين بروجردي وتصاعد الاتهامات والتحذير بعد مؤتمر جنيف-2 بين موسكو وواشنطن، وبين الرياض وطهران، ولا سيما بعد الإعلان الإيراني على لسان بروجردي أن الشقيقة سوريا والشقيقة لبنان هما في محور المقاومة، وأن إيران تدعمهما.
وكان بروجردي الذي زار أمس كلاً من رئيس المجلس النيابي نبيه برّي ورئيس الحكومة تمام سلام ووزير الخارجية جبران باسيل، قد أمل في أن يتمكن لبنان من تخطي الإشكالات التي يواجهها، مقدراً كل الجهود المبذولة في مجال مكافحة الإرهاب الذي يستهدف هذا البلد وشعبه، مؤكداً موقف بلاده الثابت بدعم لبنان بوحدته وأمنه واستقراره، وللمقاومة سواء في لبنان او سوريا، مشدداً على ان طهران لا يمكن ان تتزعزع عزيمتها وارادتها أو أن تغير من سياستها الثابتة جرّاء هذه العمليات الإرهابية المشينة، معتبراً أن «كل نجاح تحرزه إيران على المستوى الدولي ينعكس بشكل ايجابي على توطيد الأمن والاستقرار في المنطقة عموماً.
الجلسة السابعة
وعن محصلة الجلسة السابعة للجنة الوزارية التي انعقدت مساء أمس في السراي برئاسة الرئيس سلام، أكّد مصدر وزاري بارز في اللجنة لـ«اللواء» أن أجواء النقاش بقيت في الإطار الهادئ، لكن هذا لا ينفي وجود اختلاف سياسي واضح بين الأفرقاء السياسيين.
ولفت إلى أن الخلاف ما زال مستحكماً حول موضوع العلاقة بين الدولة والمقاومة، فنحن (فريق 14 اذار) نريد سلطة الدولة، وهم (فريق 8 آذار) يريدون حرية المقاومة، وهنا توقف النقاش، حيث لم تعد الصيغ واللغة باستطاعتها ان تُلبّي وتحل القضايا السياسية، خصوصاً عندما تصبح السياسة بمستوى الدستور.
وأكّد المصدر الوزاري وجود «مأزق حقيقي»، لكننا اتفقنا على موعد جديد الاثنين، لعل الاتصالات التي ستجري في اليومين المقبلين على مستوى قادة الصف الأوّل تؤدي إلى نتيجة، وإذا جاءت نتائج جلسة الاثنين غير إيجابية سنكون امام وضع صعب، وهذا يهدد عمل اللجنة ويؤخر نيل الحكومة الثقة، مع ما يترتب على ذلك من مخاوف على الاستحقاق الرئاسي.
ونفى المصدر أن تكون اللجنة رفضت أي مقترح حمله الوزير علي حسن خليل من الرئيس برّي، لأنه في الأصل لم يطرح اي اقتراح من رئيس المجلس.
وسبق جلسة اللجنة اجتماع تنسيقي لوزراء 14 آذار في مكتب الوزير بطرس حرب للتفاهم على صيغة توافقية، لكن تبين لاحقاً انها لم تكن كافية لانتاج توافق، وهو ما ظهر جلياً على وجوه الوزراء، إذ فشلت اللجنة في التوصّل إلى اتفاق حول صيغة نهائية توازن ما بين المقاومة وحدود مرجعية الدولة، في ظل رفض فريق 8 آذار منح الدولة سلطة على قرار المواجهة مع العدو الاسرائيلي والتمسك بمرجعيتها الوحيدة في تقرير مصير هذه المواجهة في اللحظة والزمان والمكان اللذين تختارهما المقاومة، وهو التعبير الذي ورد في بيان «حزب الله» الذي أقرّ بالغارة الإسرائيلية على أحد مواقعه في البقاع.
«ثلاثية» سليمان
وبدا واضحاً أن فريق 8 آذار، استند إلى هذه الغارة في تبرير وجهة نظره بإطلاق يد المقاومة في الرد على الاعتداءات الاسرائيلية، وبالتالي رفض تقييدها بقرارات من قبل الدولة، في حين كان كلام الرئيس سليمان في شأن «إعلان بعبدا» والثلاثية الذهبية الجديدة التي حددها، رداً على «ذهبية المقاومة» التي طرحها الرئيس بري، تركت اثرها على اجتماع اللجنة، والمناقشات داخلها، وأعطى هذا الكلام دفعاً لفريق 14 اذار للاصرار على ضرورة ادراج «اعلان بعبدا» ضمن البيان الوزاري، وتحديد معادلة جديدة للمقاومة.
وكان الرئيس سليمان قد أطلق أمس مجموعة مواقف لافتة من جامعة الروح القدس في الكسليك، خلال مؤتمر «أرضي: غد واعد»، فأشار إلى أن «الأرض والشعب والقيم المشتركة هي الثلاثية الذهبية الدائمة للوطن واللازمة لربط ماضيه بمستقبله»، مشدداً على أن «إعلان بعبدا أصبح من الثوابت وبمرتبة الميثاق الوطني، وهو تالياً يسمو على البيانات الوزارية التي ترتبط بالحكومات، وستظهر الأيام أن الجميع مستقبلاً سيحتاجونه ويطالبون بتطبيقه»، ودعا جميع الأفرقاء إلى عدم التشبث بمعادلات حسية جامدة تعرقل صدور البيان الوزاري، كما دعا هيئة الحوار الوطني إلى معاودة جلساتها بعد نيل الحكومة ثقة المجلس النيابي «لمناقشة الاستراتيجية الوطنية للدفاع عن أرضنا».
ومع ذلك، فقد أكدت المعلومات المتوافرة لـ«اللواء» أن النقاش داخل الجلسة كان هادئاً ورصيناً، تركز على الصيغة التي طرحها الوزير خليل لحل عقدة المقاومة في البيان، لكن لم يتم التوافق في شأنها. ولفتت هذه المعلومات إلى أن فريق 14 آذار كان أعلن رفضه لصيغة الرئيس بري المعدّلة، كما كان هناك نقاش حول الصيغة المعتمدة للمقاومة، وكان خلاف على تعبيري: «لبنان واللبنانيين» و«مقاومة الاحتلال أو العدو الاسرائيلي»، لكن الوزير وائل أبو فاعور عمل جاهداً لتقريب وجهات النظر، وهو خرج من الاجتماع وأجرى اتصالاً بالرئيس سعد الحريري، وأكد أنه سيجري اتصالاً آخر به خلال الليل، لأنه يحتاج إلى التواصل المباشر معه للوصول إلى صيغة توافقية ترضي الجميع.
أبو فاعور
وعلمت «اللواء» أن اتصالات تمّت مساء أمس على أعلى المستويات، كان محورها فريق النائب وليد جنبلاط الذي اتصل هو شخصياً بالرئيس بري، فيما تولى أبو فاعور الاتصال مجدداً بالرئيس الحريري، في حين علم أن الرئيس فؤاد السنيورة غادر بيروت متوجهاً إلى اسطنبول على متن طائرة خاصة، كما أجرى الرئيس سلام اتصالاً بالرئيس سليمان واتفقا على عقد لقاء بينهما قبيل سفر سليمان الأربعاء الى باريس.
وأعلن أبو فاعور، بعد انتهاء اجتماع اللجنة، أن الأمور ليست مقفلة والأفق ليس مسدوداً، ولفت الى أن اللجنة ستعاود اجتماعاتها يوم الاثنين، على أن يتم خلال اليومين المقبلين إجراء مداولات سياسية داخل وخارج اللجنة مع القوى السياسية المكوّنة للحكومة على أمل الوصول إلى تفاهم ما يؤدي إلى صدور البيان الوزاري.
ولفت أبو فاعور إلى أن الأمور بحاجة إلى المزيد من التداول، موضحاً أن النقاش في موضوع المقاومة يتركز حول أين حدود مسؤولية الدولة في هذا الأمر، وأين حدود مرجعيتها، مشيراً إلى أن الأمر الإيجابي في النقاش الدائر أن هناك اتفاقاً كاملاً على حق لبنان في مقاومة اسرائيل، وحق لبنان وواجبه في التمسك بأرضه كاملة وبثرواته وعدم السماح بإضعاف لبنان في مواجهة العدو الاسرائيلي، ولكن في الوقت عينه هناك إشكالية في أين تقف حدود الدولة ومرجعيتها في هذه المواجهة.
ومن ناحيته، اعتبر وزير العمل ونائب رئيس حزب الكتائب سجعان قزي أن الاتفاق حول البيان ليس على حساب المبادئ التي اشتركنا على أساسها في الحكومة، من مرجعية الدولة في تقرير كل شيء على الصعيدين السياسي والاستراتيجي العسكري.
وقال: صحيح أننا لم نتوصل إلى حل نهائي، ولكن لسنا أمام الحائط المسدود، موضحاً أن موقف رئيس الجمهورية أعطي دفعاً إيجابياً، وهو لم يتحدث كفريق، متسائلاً: هل عدما يتمسك بدور الدولة يكون يعرقل أم يسهّل؟
وأكد أن العقدة الأساسية هي في تحديد العلاقة بين الدولة والمقاومة، والمسألة خلافاً لما يقال ليست مسألة لغوية.