كتبت ناتالي إقليموس في “الجمهورية”:
تتعدّد ملفّات الفساد وتتنوّع أساليب التزوير التي تهدّد السلامة الغذائية في لبنان، وجديدُها «إدّعاءات» غذائية يدوّنها بعض المنتجين لا تطابق المحتوى. تستحوذ مواصفة «Zero Fat» على العدد الأكبر من ملصقات المنتجات. فمتى يمكن تدوين هذه العبارة على المنتج؟ من يضع حدّاً لجشع بعض التجّار الذين يتلطّون بالمواصفات لرفع سعر منتجاتهم؟ ومن يحمي المستهلك من الاستغلال؟
«خالٍ من الكولسترول»، «من دون سكّر»، «قليل الدسم»، «غني بالكالسيوم»، «مَصدر بروتيين»… يكاد لا يخلو ملصق غذائي من إحدى هذه العبارات. ولكن تبقى «دايت»، «لايت»، «zero fat» الأكثر رواجاً واستئثاراً بقلوب المستهلكين.
بعد جولة ميدانية قامت بها «الجمهورية» على عدد من نقاط البيع، أخذنا عينة من منتجات حملة خصائص غذائية محددة: منها صفر دسم، خالٍ من الكولسترول، من دون سكر… وتوجهنا بها إلى مختبرات RBML المتخصّصة في كشف التلوّث الجرثومي في الغذاء والمياه، حيث كان للدكتور رامي خضر عدد من الملاحظات على ضوء النتائج التي تبينت.
– بعض المنتجات حملت إشارة 0% من دون تحديد المادة المعنية، مما يضع المستهلك في جو من الإرتباك.
– لوح شوكولا مستورد مدوّن عليه low fat، تبين انه high fat بنسبة 52.6%.
– بعض منتجات الألبان مدوّن عليها حليب بقر طازج، إلا انها فعليا مصنوعة من بروتين إصطناعي وحليب بودرة. وعلى حد تعبير د. خضر، «ما من حليب بقر طازج يمكن التوصل فيه إلى نسبة صفر دسم، ما يعني وجود تلاعب في المكونات. كذلك عملية إستخراج الدسم من حليب البقر الطازج تمر بمراحل تصنيع كبيرة، على درجات حرارة عالية، لذا غالباً ما تُعتمد البودرة المستوردة على نحو يمكن التحكم بنسبة الدسم فيها».
تسميات مُضلّلة
«ليس كلّ منتج يحمل عبارة خالٍ من الدسم (zero fat أو fat free) هو بالفعل كذلك». بنبرة حاسمة تقطع إختصاصيّة التغذية سوسن الوزّان الشكّ باليقين، موضحةً في حديث لـ«الجمهورية»: «أنّ بعض المنتجات الغذائية قد تحمل هذه المواصفات فقط لأهداف تجارية ولجذب انتباه المستهلك من دون تطابقها مع المحتوى، ما يشير إلى استخفافٍ بعقل المستهلك».
وتوضح الوزان عبارتَي (zero fat أو fat free) في المفهوم الغذائي، قائلة: «لا تعني هذه العبارة أنّ المنتج يحتوي على صفر غرام من الدسَم، بل على أقلّ من 0.5 غرام من الدسم في الحصّة الغذائية الواحدة (Serving Size)، وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّه غالباً ما يحمل الملصق رقماً يدلّ المستهلك على عدد الحصص الغذائية الموجودة في المنتج وكمّية الدسم».
تتعدد التحريفات على ملصقات المنتجات، إذ يحلو لبعض المنتجين تدوين ما يريدون من مصطلحات من دون مراعاة دقّة معناها وتطابقها مع طبيعة محتوى المنتج. للوهلة الاولى قد يعتبر المستهلك بأنها مجرد فروقات لغوية، إلا انها «جوهرية» على المستوى الغذائي.
فتوضح الوزان: «على سبيل المثال قد نقرأ عبارة Cholesterol free على منتج في الأساس لا يحتوي على الكولسترول الغذائي. كذلك قد يتمّ تحريف المعنى بطريقة أخرى، فالمنتج الخالي من الدسم لا يعني أنّه قليل الوحدات الحرارية، فبعض المنتجات ممكن أن تكون قليلة الدسم ولكن غنية بالوحدات الحرارية، فلا بدّ إذاً من قراءة الملصق بشكل سليم. كذلك فإنّ المنتج الخالي من السكّر لا يعني أنّه خالٍ من الدسم».
أبعد من التضليل، قد يدفع المستهلك الفاتورة مرتين، من جيبه، وصحته. فالمنتجات المدوّن عليها «خالٍ من الدسم»، وهي عكس ذلك، لها تداعيات صحيّة على المدى المتوسط، لا سيما بالنسبة إلى من يتبع حمية غذائية. فتوضح وزّان: «كلّ غرام من الدهون يحتوي على تسع وحدات حرارية، لذا لا يجب أن تتعدّى كمّية الدهون المشبّعة الغرام الواحد.
ويُفضّل ألّا يحتوي المنتج على دهون مهدرجة، أمّا إذا وُجدت فلا يجب أن تتعدّى 0.5غ بالحصّة، لما لديها من تأثيرات سلبية على الصحّة من مشكلات في القلب أو تصَلّب في الشرايين… وتدريجاً زيادة في الوزن التي تُعرّض صاحبَها لمخاطر صحّية جمّة، منها السكّري، إرتفاع في ضغط الدم».
لا سلطة للنقابة
أيُّ دور للنقابة في مراقبة التسميات المدوّنة على المنتجات؟ سؤال توجّهت به «الجمهورية» لنقيب أصحاب الصناعات الغذائية الذي أكّد «أنّ التدوينات على الملصقات الغذائية تقع المسؤولية فيها على أصحابها، ولا سلطة للنقابة عليها». ويوضح: «يتحلّى أعضاء النقابة بضمير واعٍ فلا يغامرون بسمعة منتجاتهم، بل يمارسون رقابة ذاتية، لذا أستبعدُ لجوءَهم إلى التزوير أو التلاعب بمواصفات المنتجات، أمّا بالنسبة إلى سواهم فَـ»كِلّو ممكن»، ولا أستبعد شيئاً».
ويأسف البساط لمَحدودية قدرة الدولة، إذ «ليس بوسع أجهزة الرقابة متابعة القضايا كافةً، نظراً لتشعُّبها، لذا لا بدّ من تعزيز المراقبة الذاتية، والضمير الحي»، مشيراً إلى «أنّ ثمن المنتج قد يحمل دلالات كثيرة، فالسعر المنخفض يثير الشكوك مقارنةً مع بقيّة المنتجات».
zero fat… تدوينة ممنوعة؟
«قريباً لن نقرأ عبارة zero fat على أيّ من منتجات الألبان والأجبان». بوضوح تامّ تتحدّث رئيسة مصلحة الاقتصاد والتصنيع والتسويق في مديرية الثروة الحيوانية في وزارة الزراعة آفي خوري لـ«الجمهورية»، مؤكّدةً أنّ البطاقات البيانية الخاصة بالمنتجات الغذائية من أولويات وزارة الزراعة، «لاعتبارها صِلة وصل بين المنتِج والمستهلك، خصوصاً بالنسبة إلى منتجات الحليب ومشتقّاته التي تشكّل أساس الوجبات الغذائية، فلا بدّ أن تكون خالية من الادّعاءات والإغراءات الترويجية».
لا تنكر خوري وجود فوضى في هذا القطاع، فتقول: «مع اتّساع الفوضى وارتفاع موجة المنتجات المشابهة للأجبان والألبان، ولكن المستخرج منها دسم الحليب والمستبدَل بزيت النخيل، صدر القرار 1/1034 عام 2011، الذي ينظّم ليس فقط شروط تعبئة وتوضيب وعرض الحليب ومشتقّاته، إنّما أيضاً شروط البطاقة البيانية التي تعرّف بمحتوى المنتج»، مشيرةً إلى أنّ التركيز لن يقتصر على الحليب، إنّما سيطال منتجات اللحوم في مرحلة لاحقة».
وتتابع موضحة: «منع القرار على مستوى منتجات الحليب من حملِ عبارة صفر بالمئة دسم، معتبراً أن لا شيء يمكن أن يصل إلى درجة صفر دهون، لذا لا بدّ من تدوين النسبة حتى لو كانت 0.1%، خصوصاً في المنتجات المعاد تصنيعها مثل اللبنة والجبنة، إذ يمكن أن تكون مسحوباً دسمُها، ولكن لا يعني ذلك صفر في المئة، لذا لا يمكن الادّعاء بأنّها zero fat».
1123 مراجعة عام2013
بعد صدور القرار، نشطت وزارة الزراعة بالدرجة الاولى على الحدود، فعممت الشروط والمواصفات على البضائع المستوردة، كما توجّهت إلى المصانع وحذّرت المنتجين. لا تنفي خوري وجود عراقيل وتحدّيات في تطبيق القرار وضبط المئات من ملصقات المنتجات المخالفة، فتقول: «يصعب ضبط السوق، في العام 2013 أعادت المصلحة النظر في 1123 ملصق غذائي بين منتجات مستوردة وأخرى محلّية. لكن على رغم صدور القرار منذ نحو 3 أعوام، يصعب التقييم، نظراً لعدَم تمكّننا من تطبيقه بالكامل بعد.
في المرحلة الأولى عمدَ بعض المنتجين إلى تحوير القرار، ولكن بينهم من عاد والتزم. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ العدد الأكبر من المنتجين تمنّى استرحامه نظراً إلى تكدّس الملصقات المدوّن عليها zero fat في مصنعه. ولكنني أدعو هؤلاء إلى الإسراع في تحسين أوضاعهم، فلن نتراخى أكثر، ولا بد من الالتزام بأسرع وقت ممكن واعتماد الملصقات الجديدة»
من يحمي المستهلك؟
سرعان ما تتبدل ملامح مسؤولة قسم مراقبة وسلامة الغذاء في جمعية حماية المستهلك ندى نعمة حين تتحدث عن سلامة المواطن وأمنه الغذائي، معتبرة أن «المستهلك في موقع لا يُحسد عليه». وتوضح في حديث لـ»الجمهورية»: «يكتفي بعض المنتجين بتدوين «خالٍ من الدسم» مقابل التساهل في تدوين المكوّنات الغذائية الأخرى بالكلام والأرقام، رغم أنّ من حقّ المواطن معرفة المحتوى».
وتضيف متأسفة: «تعمّ الفوضى عالم الملصقات الغذائية، فالسوق غير منظّم، وما من ضمانة لتطابُق التسميات مع محتوى المنتجات الغذائية». وما يعزّز التلاعب في هذا المجال، على حدّ تعبير نعمة، «ضعف الرقابة الداخلية والتراخي في إجراء الفحوصات اللازمة للمنتجات المحلّية، وأخذ عيّنات دوريّة من المنتوجات المستورَدة».
في وقتٍ يطيب للبعض العيش على وقع الـ«دايت»، والـ«لايت»والـ«zero fat»، غير آبهين بارتفاع أسعار تلك المنتجات، يلجأ عدد من المواطنين مُكرَهين، لأسباب مرَضية ودَواعٍ صحّية إلى تلك المنتجات. في كلتا الحالتين، متى تدرك الحكومات المتعاقبة أهمية ملف السلامة الغذائية؟ وأبعد من ذلك، ألا يكفي ما يعانيه المواطن من تفاوت في الاسعار بين المناطق، حتى يزيد التلاعب بالملصقات الغذائية الطين بلة؟