#adsense

التسويات معابر الحروب

حجم الخط

كتب امجد اسكندر في مجلة “المسيرة”: كل الدول المُركَّبة، وبعكس ما يُشاع، لم تنجح فيها التسويات أو التوافق أو أنصاف الحلول. لنأخذ لبنان كمثل. تسوية “صيغة ال 43” حملت في طياتها أرجحية مسيحية، وتسوية “صيغة الطائف” انتهت بأرجحية إسلامية. لقد سادت تسويات صُوَرِية فقط، أقتنع بها المنتصر، وأقنع نفسه بها المهزوم. كل التسويات جاءت بها قوى قاهرة أو ظروف قاهرة، وليس من طبيعة القهر العدل أو الاعتدال. قبرص، تشيكيا، كردستان، صربيا، الالمانيتان، كلها كانت دول جمر تحت رماد تسويات. ما أن هبت عواصف التغيير حتى طار الرماد واحترقت أصابع الشعوب بالجمر الذي لم ينطفئ على رغم عشرات وأحيانا مئات السنوات. كل دولة تضم طائفتين أو أكثر، لغتين أو أكثر، قبيلتين أو أكثر، منطقتين أو أكثر، شعبين أو أكثر، وتم الدمج فيها بالقوة، انتفضت وثارت ما أن ضعفت قوة الدمج أو زالت ظروف التسويات القاهرة.

ما يحصل في أوكرانيا درس بليغ لمن لا يريد التسليم بثوابت التاريخ. لقد تلاعبت بأرض وشعوب تلك الجغرافيا السياسية دول وامبراطوريات، وظل المارد يخرج من القمقم. النمسا اقتطعت منها قسماً. بولونيا أيضاً. العثمانيون حاربوا فيها. السوفيات احتلوها واستتبعوها واتبعوا بها شبه جزيرة القرم. كل ذلك لم يلغِ شعور الناس في شرقها بأنهم روس، وميل الناس في غربها الى أنهم أوكرانيون. ولم ينسَ أهل القرم أنهم تتار وروس وأكرانيون. لم ينسَ أحد أنه كاثوليكي أو أورثوذكسي أو مسلم. منذ آلاف السنين ونحن نصحح أخطاء التاريخ بأخطاء جديدة. بوتين معه حق. المعارَضَة الأوكرانية المُعارِضة لبوتين معها حق. روس أوكرانيا يحبون روسيا وهذه ليست جريمة. أوكرانيو أوكرانيا يحبون أوكرانيا، وهذه أيضا ليست جريمة. وكل ما يجري الآن رماد لتغطية جوهر المشكلة.

هو رماد على الطريقة اللبنانية. أوصلتنا التسويات القاهرة الى دولة مفككة، وها نحن نبحث عن تسوية حكومية في دولة تسووية في ظل برلمان ومؤسسات تساوي صفرا. وكما دولتنا ليست بدولة فحكومتنا ليست بحكومة. بلغت المهزلة حجماً معيباً. ثمة مس بكرامة كل شخص منا أن تبقى دولتنا على ما هي عليه. وعلى رغم ذلك كلنا نهرب الى تسويات تزيد الاحتقان. من يعزي نفسه أن الحرب اللبنانية لم تبلغ بقسوتها ووحشيتها ودمارها ما يحصل الآن في سوريا، يؤسفني أن أقول له إن الاحتقان المذهبي اللبناني سيولد غدًا أو بعد غد حربًا بالشراسة نفسها. من كان يتصور حروب البلقان؟ من كان يعتقد أن حرب القرم قد تعود؟ من كان يتخيل أن اليمنيين يريدون دولة بأقاليم متعددة، والليبيين يريدون فدرالية؟ في ليبيا كلهم مسلمون سُنة، وليس فيهم لا شيعي ولا مسيحي، وعلى رغم ذلك لا يشعرون بأنه يجب أن يكونوا في “دولة واحدة”. يشعرون بأنهم جهتين: بنغازي شرقية وطرابلس غربية. متى نستفيق قبل أن نسمع ببيروت غربية… وضاحية جنوبية؟!

المصدر:
المسيرة

2 responses to “التسويات معابر الحروب”

  1. ما في حل إلا لفيديراليه عنا بلبنان علطريئة لسويسريه أو لبلجيكيه ما بعتئد لزم نستحه بهالشي متل ما مثلاً ما، ما بيستحو لقوميه بالمطالبه بتدوب لبنان بسوريا أو حزب الله بولاية لفقيه

  2. علهم يستفيدوا من غفوتهم
    ولكن على من تقرأ
    مزاميرك

خبر عاجل