أعان الله رئيس الجمهورية واللبنانيين على تحمّلهم «سيل» العبارات والتصريحات والمواقف الهجومية حيناً والمتستّرة أحياناً أخرى التي تطلقها يومياً كتلة «الوفاء للمقاومة». فالحرب الكلامية التي يخوضها «حزب الله» ضدّ الرئيس تبدو متلازمة مع محاولة الحزب «استمالة» اللبنانيين لضرب «الوتر» المذهبي «الحسّاس».
وتستوي تصريحات الحزب على تحريض «جمهورنا» على اللبنانيين لدفع البيان الوزاري نحو «المقاومة» تارة، والتلطّي طوراً تحت ستار «حقّ اللبنانيين بالمقاومة»! لا شكّ في أنه يحق لكل وطن أن يؤسس مقاومة وطنية تدافع عن الارض والشعب إذا احتاج الأمر الى ذلك، لكنّها تبقى تحت سقف الدولة. فأي «مقاومة» تلك التي تشهر سلاحها في وجه اللبنانيين؟ وأي «مقاومة» هي تلك التي تستفزّ العدوّ؟ وهل «المقاومة» تخطو أولى خطوات الهجوم أم تسعى الى الإستقرار وتبقى في جهوزية دائمة للدفاع في حال تعرّضت لهجوم؟
المقاومة لم تولد مع «حزب الله» بل أنشأها اللبنانيون بمختلف طوائفهم ومذاهبهم منذ الاحتلال العثماني مروراً بالإنتداب الفرنسي. كانت المقاومة اللبنانية تعمل سرّاً، لا تهدّد ولا تتباهى بسلاحها وطائراتها. كانت المقاومة هي الدولة بحدّ ذاتها، كانت بشارة الخوري ورياض الصلح، لأن أبناء الدولة وحدهم يبنون الدولة، أما رافضو الإنضواء تحت دستورها فلا يسهمون سوى في تأخّر نموّها وتعكير أجواء الإستقرار على أبنائها، فكيف بمقاومة تربّي أجيالها على التضحية من أجل الغرباء مقابل التهجّم على الأقرباء والشركاء الداخليين؟
في هذا الإطار، يطالب عضو كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب نواف الموسوي بـ «بيان وزاري يؤكد الإقرار بحق اللبنانيين في مقاومة الإحتلال». صحيح أن الموسوي هو نائب عن الأمة جمعاء بحسب الدستور اللبناني كما كل النواب، لكن هذا لا يخوّل أي نائب التحدث باسم كل الشعب اللبناني، فجمهور «المقاومة» مثلاً لا يختزل الشعب اللبناني، وإلا لكان اللبنانيون، المسيحيون والمسلمون، تركوا لبنان وذهبوا الى سوريا تلبية لدعوات «حزب الله» بهدف «المقاومة» دفاعاً عن بشار الأسد. وهذا ليس حال اللبنانيين اليوم، إنها فقط حال من هم مستعدّون لافتداء من نكّل بالقسم الآخر من اللبنانيين، ولأن هذا القسم الآخر يقف الى جانب رئيس الجمهورية ولا فائدة من تحريضهم عليه.
خطاب «حزب الله» يكاد يقرب من الإستجداء. صحيح أن وتيرة الخطاب تتسارع والهجوم يتكثّف، إنما هذا ما كان ليتمّ لولا انقضاء المهلة التي وضع «حزب الله» أمله فيها ظنّا أنها ستنقذه. في الواقع لا تشير التطورات الى أن هناك «معجزة» قادرة على إنقاذ «الحزب»، مهما «شبط ولبط» ورفع نبرته واختار عبارات «منقّحة»، فالجثث التي تأتي من سوريا الى مثواها الأخير في لبنان لا تنقذ حزباً ولا تبني وطناً.
كذلك، فإن الحرب الكلامية ووصف المعادلات الصادرة عن الرئاسة الأولى في لبنان لا تنقذ «سمعة» حزب شاءت «مقاومته» أن تجنّد شبابها لخدمة نظام قاتل وأن توقع باللبنانيين ضحيّة لهذا التهوّر، فلا يمكن الإيقاع مرة باللبنانيين وتهديد أمنهم ومرة أخرى استجداؤهم لدعم «المقاومة». والعمل بحسب الموسوي جارٍ «على أن يتضمن البيان الوزاري لهذه الحكومة إقراراً بحق اللبنانيين في مقاومة الإحتلال والعدوان والتهديدات الإسرائيلية»، فإن كان لا بدّ من دفاع في وجه العدو، لم يعد بالإمكان التنصّل من هذا الدور الذي سيلعبه الجيش اللبناني بعد تسليحه طبعاً ليدافع عن اللبنانيين، فوحده الجيش اللبناني يحقّ له أن يتحدث باسم اللبنانيين طالما أنه يمثّل جميع طوائفهم.
لم يعتد اللبنانيون على أن يطالب أحد بحّق لهم من دون مقابل. ها هي «المقاومة» تسعى مرة جديدة لتزجّ باللبنانيين في معادلتها الثلاثية بينما يعمل اللبنانيون على الإحاطة بالجيش اللبناني ورئيس الجمهورية. لغة الحزب وألفاظه لن تتبدّل إلا بتبدّل المعادلات في أيام الحسم المقبلة، وإن كانت المعادلة الجديدة ستدلّ على شيء ما إيجابي يلوح في الأفق، فهي «العدالة» بفكّ ارتباط «المقاومة» بالشعب اللبناني.