#adsense

القيمة العالميّة للانتخابات اللبنانيّة تظهر سريعاً في إيران

حجم الخط

الجيل المتصدّي لميليشيات "الباسيج" هو وحده الباقي على روحانية الشرق وعقلانية الغرب
القيمة العالميّة للانتخابات اللبنانيّة تظهر سريعاً في إيران

أظهرت الانتخابات اللبنانيّة بوادر إنتعاشة متجدّدة للموجة المعاصرة من التوسّع الديموقراطيّ بإتجاه الشرق. ما الذي تظهره الانتخابات الإيرانيّة في المقابل؟
لقد دخلت الموجة الأخيرة من التوسّع الديموقراطي بإتجاه الشرق في كبوة في أواخر عهد الرئيس الأميركيّ جورج بوش الإبن. وفي الأساس لم تكن هذه الموجة الممتدة من أوكرانيا إلى جيورجيا، ومن لبنان إلى العراق، تقارن بما سبقها من موجات توسّع ديموقراطيّ في العقود الأخيرة من القرن العشرين (أوروبا الجنوبية في السبعينيات، وأوروبا الشرقية في أواخر الثمانينيات، وأميركا الجنوبية وإندونيسيا في التسعينيات). لا يعود ذلك إلى إنتفاء جذرية موجة التوسّع الديموقراطيّ الأخيرة، المتفاوتة على كل حال بين بلد وآخر، والأكثر من إشكالية في حال العراق حيث جرى إسقاط الديكتاتورية بواسطة التدخّل الخارجي. السبب الأهم وراء صعوبات موجة التوسّع الديموقراطيّ الأخير أنّها بدأت تهدّد عقر دار "الاستبداد الشرقيّ" أو "الاستبداد الآسيويّ"، بأشكاله الراسخة منذ قرون مديدة في ايران وروسيا والصين.

فهذا "الاستبداد الشرقيّ" الذي بدا أنّه آخذ بالتلاشي في نهايات الحرب الباردة، سرعان ما أعاد الوصل مع تاريخه القديم، وتحالف مع الممانعات الشعبويّة في العالم الثالث، ومع العناصر العدميّة في الغرب، ضدّ "أميركا" و"الإمبريالية" و"القطب الواحد" و"الإستكبار" و"العولمة". استفاد "الاستبداد الشرقيّ" من هشاشة الاقتصاد العالميّ القائم على تحرير الأسواق دون حمايتها اجتماعياً، كما استفاد من عثرات الحرب الأميركيّة على الإرهاب في أفغانستان والعراق، ومن إمتناع أوروبيّ متفاوت عن المشاركة في هذه الحرب.
لأجل ذلك كلّه، انتشى "الاستبداد الشرقيّ" في السنوات الماضية، وبدا أنّه أقرب إلى إحباط الموجة الديموقراطيّة المعاصرة، تلك التي تسابق مفكّرون ومثقّفون في الغرب كثر في نعيها وهي لا تزال حيّة ترزق.

وفي الشرق الأوسط بالتحديد، بدا أنّ النموذج الإيراني في "الاستبداد الشرقيّ" يتجه إلى إعادة فرض نموذجه الإمبراطوريّ، وأنّ علامات ظهور هذه الإمبراطوريّة تبدأ من توسّع النفوذ الإيرانيّ في أفغانستان والعراق بعد الاحتلال الأميركيّ لهما، وصولاً إلى توسّع النفوذ الإيرانيّ في لبنان بعد الانسحاب السوريّ منه عام 2005 والحرب الإسرائيلية عليه عام 2006، وإلى غزّة بعد انتصار "حماس" الانتخابيّ ثم استفرادها الانقلابيّ بغزّة، وكل ذلك تحريضاً لصناعة القنبلة النووية الإيرانية في ختام برنامج تخصيبيّ لا يقتنع أحد في الدنيا أنّه محض سلميّ، ويشعر العرب بالأساس أنّه برنامج لحذفهم من الخارطة الإستراتيجية، ولجعل "العالم العربيّ" مجرّد "أهواز" موسّعة ملحقة بشاهنشاهية "جديدة" ومغلوبة على أمرها.

مع ذلك، فإنّ الإنتعاشة المتجدّدة للموجة الديموقراطيّة إنطلاقاً من نتائج الانتخابات اللبنانية يمكن أن تدخل معطى إستراتيجيّاً جديداً. والحال أنّ المراقبين يرتكبون خطأ جسيماً عندما يقيسون الأمور بميزان السلام وحظوظه في المنطقة من دون قياسها بميزان الديموقراطية، في حين أنّ السلام والديموقراطية متلازمان بالضرورة، بل هذه هي فحوى الموجة الراهنة من التوسّع الديموقراطيّ، التي صارت تهدّد "الاستبداد الشرقيّ" في عقر داره.

لقد قيل قبل سنوات أربع أنّ "لبنان ليس أوكرانيا أو جورجيا"، وثمّة اليوم في إيران من يهدّد شعبه ويقول له ما معناه أنّ إيران "ليست أوكرانيا أو لبنان".. وبدل "اليوم المجيد" تحلّ "الملحمة العظيمة" كما وصفها محمود أحمدي نجاد.. وعنوان هذه الملحمة العظيمة: تصدير ثقافة "7 أيّار" إلى قلب طهران، بعد أن تعثّر مشروع تصدير "الثورة الإيرانيّة" إلى زحلة وكسروان وجبيل والبترون والكورة!!

والحال أنّه إن كان من "ملحمة عظيمة" في هذا الزمان فهي ملحمة الموجة الحالية من الزرع والتوسّع الديموقراطيين بإتجاه الشرق.. وهي كذلك لأنّها تواجه "الاستبداد الشرقيّ" القائم منذ آلاف السنين مثلما تواجه مظاهر "أفول الغرب" وتلكؤه عن إسناد الجيل الراهن من أحرار الشرق بالشكل المطلوب.. مع أنّه الجيل الذي يشكّل، إنطلاقاً من طلائعه المتصدية لإنكشاريي "الباسدران" و"الباسيج" في شوارع طهران، أفضل "وصل" بين الحضارات.. فهذا الجيل هو وحده الباقي على "روحانية" الشرق التي ما قامت "ولاية فقيه" إلا على نقيضها، و"عقلانية" الغرب التي ما قامت "براغماتيته" الحالية إلا على أساس التخفّف منها.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل