"الجمهورية الثالثة" و"الثورة الثالثة"!!
هل هي مجرد صدفة تتقاطع عندها عناوين حملة انتخابية نيابية لبنانية، وأخرى رئاسيّة في إيران؟ ربما انشغال الرأي العام اللبناني والعربي والعالمي المشدود إلى متابعة ما يحدث في الشارع الإيراني الرافض بقسم منه لنتيجة انتخابات رئاسية جددت انتخاب أحمدي نجاد بسياساته غير الواضحة إلا في ملامح استفزاز دول العالم أجمع، فحجبت الأحداث رؤية هذا التقاطع، وربما ما زاد من قلق المهتمين بمتابعة ما يحدث في الشارع الإيراني الغاضب، أن أجيالً منا لم تتح لها الحرب اللبنانية أن تتابع بدقة مسار الثورة الإسلامية في إيران، وها هي اليوم وعلى عتبة الأربعين عاماً من نقل إيران من إمبراطورية شاهنشاهيّة إلى مشروع إمبراطورية "فارسية" تتسلل إلى المنطقة العربية بعباءة "الإسلام"..
وندين باعتذار حقيقي للشعب الإيراني، الذي تتكشّف لنا صورة ديموقراطيته وحيويته وليبراليته يومياً عبر إصراره وتحضّره في التعبير عن رأيه بأسلوب حضاري راقٍ، ولا يفاجئنا مشهد الدراجات النارية التي تحاول قمعه وبعنف شديد، على الأقل الآن عرفنا من أين استورد البعض فكرة "جيش الدراجات النارية" التي اجتاحت شوارعنا في مفترقات عصيبة من تاريخ لبنان، وما كان ينتظرنا ربما لو لم تفز 14 آذار بالانتخابات النيابية..
وبصرف النظر عمّا قد تسفر عنه الأمور في الشارع الإيراني فلا نملك إلا أن نبدي إعجابنا بشعب شاب يعبّر عن نفسه بجرأة، وسامح الله من ساعد على إيهامنا بصورة مغايرة له مظللة بالأيديولوجيا التي تبرمج الشعوب فتعطل عقولها وتحولها إلى مجرّد حشود للهتاف!! وما نتمناه فقط أن لا نشهد انقساماً عمودياً يشطر الشعب الإيراني ويضربه ببعضه البعض تماماً بالأسلوب نفسه الذي قُسِم فيه المشهد اللبناني بعيد 14 شباط العام 2005.
لم يتوقف كثير من المحللين اللبنانيين عند هذا التقاطع الحرفي بين عناوين ميشال عون الانتخابية التي تسببت بهواجس ومخاوف كبرى انتابت الشارع اللبناني في أسابيع الحملات الانتخابية مع عناوين أحمدي نجاد التي رفعت بعيد فوزه ربما لأنه أذكى من حصانه الخاسر ميشال عون!!
هل هي محض صدفة أن يتقاطع حديث الرجلين عند وصف "الثالثة"؟ فعون الذي رفع بغموض شديد عنوان "الجمهورية الثالثة" لاقته أوساط أحمدي نجاد بُعيد استعجال إعلان فوزه بالحديث عن: »الثورة الثالثة التي جاءت في بداية العقد الرابع من عمر الثورة الإسلامية«، هل هذه محض صدفة!! والأصعب تصديقاً من صدفة التثليث هذه في الثورة أو الجمهورية، خوض الانتخابات تحت عنوان محاربة الفساد، فقد أشار مستشار نجاد للــشؤون الصــحافــية علي اكبر جوانفكر إلى أن "مكـــافحة الفساد الاقتــصادي والدخل من دون مــجهود والإثراء غير المشروع، تشكل مطلباً عاماً ومتــطــابقاً مع الثورة الإسلامية".. وأضاف قائلاً: "نأمل مع الوضع الجديد، بأن تجري عملية تطهير جدية وفورية داخل مؤسسات الحكم. إنه مطلب عام كان حاضراً دائماً، لكنه تعزز مع الوضع الجديد" بعد الانتخابات..
أما أغرب تقاطع بين نجاد وعون فهو التهديد بقطع الأيدي، عون في لبنان يهدد بـ "نفس اللغة" بقطع اللسان وكسر الأيدي، ونجاد في إيران يهدد بقطع الأيدي، وثمة مشترك آخر في نمطية الاتهام والتطاول، فعون دأب على التطاول على البطريرك وذهب أبعد من ذلك باتهامه بقبض أموال راتب شهري ينقله له مستشار رئيس كتلة المستقبل النيابية، ولم يفاجئنا نجاد في تهديده وتطاوله على رجل معمّم ورئيس جمهورية سابق ورئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام متهماً إياه وعائلته بالفساد والإثراء غير المشروع، والمشهور أن هاشمي رفنسجاني من عائلة كبار التجار الإيرانيين.. فمن يستطيع أن يصدّق أن كل هذه مجموعة صدف لعناوين متشابهة حتى التطابق!!
بالتأكيد لميشال عون تاريخ من الافتراءات والتطاول والهوس بالذات والعناوين الطنانة الرنانة، إلا أنها كانت دائماً هوجاء وغير متناسقة في بنيانها، فالرجل يكون قاعداً وتأتيه "هبّة" عقد مؤتمر صحافي، فيطل وبؤبؤا عينيه يدوران زائغين في حدقتيه، ويتحرك رأسه في حركة اهتزاز غير ثابتة، لتنتابه "الكريزة" على الهواء فيرمي السباب والتهديد في كل الاتجاهات ثمّ ينتهي المؤتمر مع انتهاء عوارض "الجنّونة" !! منذ العام 2005، بل منذ توقيعه التفاهم الذي جاء في تاريخ انقلابي له رمزيته ودلالاته هو 6 شباط، حتى بدت هجوماته مركزة ومنسقة وغير مرتجلة كما في حقبة خدعة حرب التحرير وجريمة حرب الإلغاء، إلى حدّ يجعلنا نتساءل: هل كانت "منسقيّة" حركته وأحاديثه السياسيّة تأتيه من "طهران"!!
هل هي محض صدفة، هذا هو السؤال؟ أشك كثيراً في ذلك، فما كان يحضّر للبنان هو عبارة عن تراكم مسار طويل من سياسة "الذبح بالقطنة" أو بأسلوب حياكة السجاد الإيرانية الصبورة، والحمد لله أن هذه السجادة التي كان من المفترض أن تفترش أرض لبنان من أقصاه إلى أقصاه، ظلّت في بلادها، وتصارع الآن لتستمر مفترشة أرض إيران، وإلا لكانت الدراجات النارية مع العصيّ والجنازير الآن تسرح وتمرح في شوارع لبنان لتأديبنا على تمردنا أربع سنوات بدعوى الحرية والسيادة والاستقلال لإدخالنا عنوة ساحات مفتوحة على الدم لجبهات الممانعة!!