ربّما لن يوقف سقوط «يبرود» التهديدات الإرهابية التي سيتعرّض لبنان لمزيد منها، مثلما لن يعيد رفع علم النظام السوري فوق أزقّتها ومبانيها إحياء «الدولة» السورية التي عرفها العالم. في المقابل، لا تعني خسارة المعارضة إنكساراً لـ»الثورة» التي تتطلّب جهداً كبيراً للتعريف بها مجدّداً وبمن يمثّلها على الأرض.
يقول ديبلوماسي أميركي «إنّ ما جرى ليس أكثر من قتال بين متشدّدين من هذا الطرف ومتشدّدين من الطرف الآخر، ويكشف أنّ التلاعب بالأزمة السورية صار هو الأصل، فيما الإستثناء هو في قدرة اللاعبين الداخليين على التحكّم بمصائرهم». ويضيف: «لا حاجة لوصف ما جرى بأنّه صفقة سياسية لعبَت فيها قطر دوراً رئيساً عندما أخذت على عاتقها إطلاق راهبات معلولا قبل «تسليم» يبرود بأيّام، في رسالة مزدوجة الى دمشق والرياض وحلفائها اللبنانيين.
فسقوط يبرود لم يفاجئ واشنطن، ولم يترك أسفاً إذا كان ما جرى يساهم في تقليص رقعة انتشار التنظيمات الأصولية التي تنتشر في سوريا اليوم».
وتقول مصادر ديبلوماسية: «صحيح أنّ الحرب تحوّلت بعد ثلاث سنوات على اندلاع انتفاضة الشعب السوري من أجل «الكرامة»، حرباً أهلية وإقليمية، لكنّ أخطر ما يميّزها الآن هو أنّها أصبحت حرباً بين أكبر كتلتين طائفيتين في العالم الإسلامي، والفصل بينهما بات يحتاج الى تجزئة القوى المنخرطة فيها مجدّداً. فما يحصل سيضع سوريا من الآن فصاعداً في خانة الإنقسام المديد الذي يتعمّق من العراق الى اليمن» .
وفي تقدير تلك المصادر «أنّ عنوان محاربة الإرهاب في طريقه ليتحوّل شعاراً موحّداً، من غير أن يعني ذلك أنّ القوى المنخرطة فيه موحّدة، سواءٌ في الأهداف أو التحالفات، أو حتى في الأدوات». وتشير إلى «أنّ مهمّة السفير الأميركي الجديد في سوريا دانيال روبنستين، سيطرأ عليها تعديلات جذرية، خصوصاً على صعيد إعادة تحديد القوى التي يمكن التعامل معها وتلك التي ينبغي محاربتها.
فإذا كانت المعارضة السورية حسمت عداءَها لتنظيم «داعش»، فالخطوة التالية تقتضي حضّها على حسم خياراتها مع غيرها من التنظيمات الأصولية الأخرى، وفي مقدّمها «جبهة النصرة» الممثلة الرسمية لتنظيم «القاعدة» داخل سوريا».
وتؤكّد تلك المصادر أنّ المعلومات التي كُشف عنها في بعض وسائل الإعلام الأميركية أخيراً عن نيّة فعلية لدعم القوى التي لا تربطها أيّ صلة بالأطراف الأصولية، فيها كثير من الصحّة، خصوصاً أنّ أوساطاً استخبارية سرَّبت معلومات عن تحضيرات عسكرية جارية في مناطق جنوب سوريا. وتشير إلى أنّ القيادة العسكرية الجديدة ممثّلةً بقائد الأركان الجديد لـ»الجيش السوري الحر» عبد الإله البشير تحظى برعاية أميركية جدّية، فضلاً عن قيادات ميدانية أخرى غير إسلامية بدأت تكتسب قوّة فعلية، خصوصاً في محافظة إدلب».
وفي المقابل، تحذّر تلك المصادر «من أنّ إصرار النظام وداعميه على إعطاء القتال طبيعة طائفية في محاولة للحفاظ على العصب الطائفي الذي يشدّ قواهم في هذا القتال، سيكون أثره خطيراً على مستقبل، ليس المواجهة الدائرة في سوريا فحسب، بل على المنطقة برُمّتها، من العراق الى لبنان».
وفي اعتقاد هذه المصادر «أنّ إصرار «حزب الله» على تصوير معركته بأنّها في مواجهة الأصولية السنّية، من سوريا إلى لبنان، سيكون له أثر مدمّر على محاولات حماية لبنان من تداعيات ما يجري في سوريا، ولو في الحَد الأدنى.
فالقول مثلاً إنّ بلدة عرسال السنّية في شرق لبنان هي عنوان الإرهاب الذي يهدّد البيئة الشيعية، فيه كثير من الإفتئات، مثلما أنّه يعكس الطبيعة الإنتحارية التي يقاد البلد من خلالها إلى فضاءات خطرة، طالما إنّ النزاع في المنطقة قد يأخذ مدى طويلاً» .
وتسأل المصادر أخيراً: «ما هي مصلحة لبنان في حرب من هذا النوع؟ وهل تتحمّل تركيبته الجغرافية والطائفية وإمكاناته السياسية والاقتصادية أكلافاً كهذه»؟