
كتب ألان سركيس في “الجمهورية”:
يَستطيع الباحثون عن جبهات قتال جديدة في لبنان ونقاط توتّر وقادة محاور ومقاتلين ملثّمين، الذهابَ الى الحيّ الغربي في الطريق الجديدة للتعرّف على هذا الإكتشاف القديم- الجديد.
كانت الطريق الجديدة أمس على الموعد، فبعدما طرَد أهاليها رئيس «التيار العربي» شاكر البرجاوي في أيار 2012، عاد مِن بوابة نقل الفوضى، حيث اندلعت اشباكات عنيفة مع أهالي الحيّ الغربي أسفرت عن مقتل خليل الحنش وجرح 13 آخرين، وشيّعت الطريق الجديدة الحنش وسط ظهور مسلّح، وإطلاق نار كثيف، وغضب عارم من الاهالي في غياب القوى الأمنية والجيش.
الخطر الى العاصمة
ظنَّ كثيرون ممَّن سمعوا خبر الاشتباكات الليلية في بيروت، أنَّ المعركة انتقلت من الأطراف الفقيرة، أي طرابلس وعكّار والهرمل وعرسال وصيدا، الى العاصمة بيروت، وأنَّ مقولة تحييد العاصمة سقطت، لأنَّ العُرف ومسار الأحداث والحروب يقتضي حصر المشاكل في المناطق الفقيرة فيما تنأى المناطق الغنية، وخصوصاً العاصمة، عن لعبة الحرب والدمار الى حين صدور قرار المواجهة الشاملة.
لكن، مَن يصل الى الحيّ الغربي قرب المدينة الرياضيّة، يعرف أنّ هذا الحيّ يعاني الفقر المُدقع. تمشي على الطريق بجانب المدينة الرياضية الحديثة الفخمة حيث ينتشر الجيش بكثافة، طريقٌ تملأ النفايات جانبيها كما وسطها، فالكرتون وعبوات المياه الفارغة مرمية عشوائياً فيما السيارات القديمة التي تباع «للكسر» مرصوصة فوق بعضها. وتشير خطوط الكهرباء الممتدّة فوق السطوح الى مظاهر الفقر، والغريب في هذا الشارع أنّ سكانه لا يعرفون اسمه، حيث يضحكون عند سؤالهم عن اسمه، ويجيبون إمّا «لا نعرف» أو «انتظر لأستفسر لك»، فيما يقول آخرون إنّه شارع «الرقّة».
من المدينة الرياضية في اتّجاه خطوط التماس، تكتب الشعارات على الحيطان، وكذلك أسماء شوارع مثل شارع العاصي، فيما ترتفع أعلام تيار «المستقبل» والأعلام اللبنانية، لتصل الى مدخل نقاط التماس. هناك، يتجمّع عدد من الشبّان وينصحوننا بعدم الإقتراب أكثر قائلين: «لا نعرف أيّ ساعة يبدأ القنص، فالموجودون في المقلب الآخر غدّارون». قد يكون حال الحيّ مخيفاً أكثر من رصاص القنص، مبانٍ متلاصقة، الحائط على الحائط، لا أبواب أو شبابيك، أبسط مكوّنات الحياة معدومة، يغيب الباطون والزفت عن الزواريب، وتتجمّع المياه بين المنازل ويطفو الوسخ على وجهها، في وقتٍ يخرج الاطفال مستغربين وجود غرباء، على وقع تمنّيات سيّدة عجوزة: «الله يخلّصنا انشالله بتروق».
هاجس القنص
لا تعرف من أين يخرج عليك سكّان الحي، منهم من يقفز من الطابق الثاني الى الأرض، وآخرون صنعوا الدرج من البراميل، ولسان حال الجميع «انتبهوا من القنص»، الوضع خطير ولا داعي للمخاطرة، فيما يتهمون «عصابة شاكر البرجاوي» بغزوة منازلهم وإحراقها.
يدلّ سكان الحيّ الى بناية زهرية اللون مرتفعة تابعة لجماعة البرجاوي، ويؤكدون «أنه يسكن في طوابقها السفلى أناس عاديون، في وقت يستعمل المسلحون طابقها الأعلى للقنص».
يروي خالد الذي يملك منزلاً قرب البناية أنّ «المشاكل تحصل دائماً مع جماعة البرجاوي لكنها لا تعطى أي أهميّة في الإعلام، ولا ندري ماذا حصل ليل أمس، إلّا أنّ مسلّحين تابعين للبرجاوي والحزب و»سرايا المقاومة» أحرقوا منازلنا، والدولة لم تحمِنا».
إذاً، أحرق مقاتلو البرجاوي وحلفاؤه عدداً كبيراً من المنازل الفقيرة، ويشير أحد المقاتلين الملقب «أبو عبدالله» الى أنّ «رائد العلي الملقب «أبو حمزة» كان يشتم «المستقبل» والسلفيّين والسنّة دائماً، وهو أساساً من الطائفة السنيّة، وعند الساعة الثلثة من بعد ظهر السبت، خطَف شاباً يُدعى محمد الذي أُشبع ضرباً. وعند الساعة الخامسة ساق شبان العلي الى منطقتنا وسألوه لماذا يتهجم على السنّة، ومن كثرة خوفه قال خذوا زوجتي لكن اتركوني، عندها بدأت زوجته تصرخ «إغتصبني السلفيّون». وبعد اطلاقه، عمد العلي الى رمي الحجارة على منازلنا من المبنى الزهري ووجّه الشتائم الى سيّدنا عمر، وعندما لم نستطع ضبط الوضع إنفجرت الحرب قرابة الثالثة من بعد منتصف الليل واستمرت حتّى الثامنة صباحاً، بعدما علمنا أنّ الجيش سيتدخل، ونصحنا بالانسحاب لكي لا نتصادم معه، ولكن، ما هي
إلّا ساعات حتى انسحب الجيش، لذلك استنفرنا صفوفنا مجدّداً ولن نترك الساحة لجماعة البرجاوي».
يراقب «أبو عبدالله» الجهة الثانية، يضع المسدس في جيبه وعندما يريد تغيير مكانه ينادي شاباً آخر ليقف مكانه. وهو يؤكّد امتلاك كلّ أنواع الأسلحة، «من رشاشات وقذائف صاروخية و»ب 7»، وقنابل، ما يساعدنا على المواجهة، وقد أوقعنا 4 قتلى و54 جريحاً في صفوفهم، لم يعلنوا عنهم»، نافياً اشتراك الفلسطينيّين في القتال، لأن «اللجنة الأمنية الفلسطنية تقفل المخيم فوراً عند وقوع اشتباكات مانعة الدخول اليه والخروج منه».
قادة محاور
يمتدّ الحيّ الغربي من المدينة الرياضية الى مخيم شاتيلا ومن حيّ عرسال الى حيّ الباشا وينقسم الى قسمين بعد طرد البرجاوي من الطريق الجديدة واتخاذه قسماً منه كمنطقة نفوذ. تفصل بين المتقاتلين أمتار قليلة، وتندلع الإشتباكات داخل أزقة ضيقة، وقد استنسخ الحي النمط القتالي الطرابلسي، وقُسّم الى ثلاثة محاور على رأس كلّ منها قائد، وهم: أبو عبدالله، فادي العلاماتي الملقب «أبو بكر»، وأبو عمر قدور، ويرأس كلّ منهم مجموعة تصل الى 15 مقاتلاً، ويساندهم بعض المقاتلين الفرديّين. وقد شارك في جولة الأمس نحو 50 مقاتلاً من الحيّ الغربي، فيما شارك نحو 100 مقاتل من الجهة الثانية التي تتميّز بالتنظيم والتسليح.
«المستقبل» ينفي
ينفي المنسق العام لتيار «المستقبل» في بيروت بشير عيتاني لـ«الجمهورية» أي تورّط لشباب «المستقبل» في الإشباكات، ويقول «اننا سمعنا مثل غيرنا من الناس بهذه الاحداث»، موضحاً أنّ «التيار لا يملك مسلّحين أساساً ليخوضوا معركة مسلّحة». ويؤكد أن «البرجاوي طُرد خارج الطريق الجديدة، وله مكتب في حيّ فرحات يحاول من خلاله العودة لتوتير أجواء المنطقة، بدعم من «حزب الله» وبعض القوى الفلسطينية الموالية للحزب والنظام السوري». ويشير عيتاني الى أنّ «التوتّر ارتفع في الطريق الجديدة بعد استشهاد الشاب حسام الشوّا، ونحاول ضبط النفوس قدر الإمكان لمنع تحويل المنطقة طرابلس 2 لخدمة «حزب الله».
يعتبر أهالي الحي أنّ ما حصل هو بداية المواجهة والآتي أعظم، فيما الخوف هو في فتح نقطة صدام جديدة في العاصمة تكون بديلاً عن محاور القتال التقليدية التي اعتادها اللبنانيون.