في بلدنا العديد من أشباه غوبلز من كارهي الثقافة على الرغم من أن البعض ينعتونهم بأنهم مثقفون ظلماً وعدواناً. فرق كبير بين الإنسان المثقف وشبيهه العقائدي، وإن كان العامة يخلطون بين الاثنين عندما يسمعون الخطابات المرتجلة الطويلة لخطباء الأحزاب العقائدية، حين ترتفع أو تنخفض أصواتهم للتناغم مع الكلام الذي ينساب كالنبع من أفواههم، فلا يتلعثمون، ونادراً ما يخطئون في الصرف والنحو، وإن أخطأوا فلن يكتشفهم معظم السامعين! وقد يظن معظم الناس أن الخطيب العقائدي يتمتع بهالة وعبقرية تجعله قادراً على الإستحواذ على قلوب الناس وعقولهم وأحياناً أرواحهم.
ما لا يعرفه معظم الناس أيضاً هو أن هؤلاء الخطباء قد تلقنوا هذا الفن على يد اختصاصيين، وإن كان بعضهم أتقن الحرفة أكثر من غيره. على فكرة، من المعروف أن أدولف هتلر كان قد تلقن فن إبهار الناس على يد اختصاصي في المسرح. المهم هو أن هدف العقائدي هو إقناع الآخرين بصوابية عقيدته مئة بالمئة دون نقصان ليصل إلى حد اليقينية الكاملة أو حتى القداسة المطلقة والعصمة.
أما المثقف فهو من طينة أخرى، انه عملياً الساعي إلى المعرفة بكل جوانبها والباحث الدائم عن الحقائق والمدرك بأن ما يعرفه هو لا يشكل يقيناً بأي حال من الأحوال، وهو الذي يكتشف مع كل معرفة يكتسبها أن ما يجهله هو أكثر بكثير مما يعرفه.
معظم هؤلاء ليسوا بالخطباء المفوهين، وقد تخونهم قدراتهم الشخصية في التعبير عن ذاتهم، وبعضهم قد يكون مملاً في تفصيله الأمور ومستفزاً في صراحته ومنفراً للسامعين لبرودته، ولكنهم بالتأكيد منفتحون على الحقائق والحوار وعلى الإستفادة من المعرفة، وقادرون على تطوير قناعاتهم بناءً على ما يستكشفونه من معلومات جديدة.
على هذا الأساس لا يمكن الجمع بين المثقف والعقائدي لأن الواحد منهما يلغي الآخر.
هذه ببساطة الفروق اليوم بين خطباء «حزب الله» العقائديين أصحاب المصلحات الخشبية والمقامات الخطابية والحركات المسرحية فوق المنابر، وخطباء قوى آذار الذين ما زال بعضهم يؤمن بقوة الحجة وسلطان الحوار وقدرات الحقائق على مواجهة أكوام البهتان التي يراكمها العقائديون في الخطب وفي الإعلام.
يقول غوبلز أيضاً «أكذب، أكذب حتى يصدقك الناس». والبهتان هو نوع محدد من الكذب وهو اتهام الآخرين بصفات أو أعمال يقوم بها الكاذب نفسه، فيبهت بها المتهمين، أي يصدمهم بقدراته على الإفتراء عليهم.
ولو راجعنا لائحة بهتان حزب الولي الفقيه ومسؤوليه لكان من السهل اكتشاف ما يلي :
ـ اتهام الآخرين بخدمة الأجنبي، وهم بالفعل بخدمة الإيراني.
ـ اتهام الآخرين بالتآمر، وهم أكثر من تآمر.
ـ اتهام الآخرين بالعمالة لأمريكا والغرب وأحياناً إسرائيل، وهم مَن تآمر مع الغرب في السابع من أيار، ودولتهم الراعية تعاونت مع إسرائيل في «إيران غيت» ولاحقاً في «عوفرغيت»، وهم من يلهثون اليوم لكسب رضا الشيطان الأكبر على مشروع الولي الفقيه النووي.
ـ هم يتهمون الآخرين بالتطرف والتكفير، في وقت هم يكفرون ويقتلون كل معارضيهم حتى ضمن طائفتهم.
ـ هم يتهمون الآخرين بتأليف الميليشيات، في حين أنهم ميليشيا بحد ذاتهم.
ـ هم يتهمون الآخرين بالعمليات الإنتحارية، في حين أنهم يسمونها استشهادية عندما تخدم أهدافهم.
ـ هم يتهمون الآخرين بالإرهاب، ويجعلون من إرهابهم واجباً مقدساً.
ـ هم يتهمون الآخرين في الحاجة إلى السلطة، في حين أنهم عطلوا إنشاء الحكومات في لبنان سعياً وراء السلطة.
سلسلة طويلة من الكذب المقدس مارسها وسيمارسها حزب الولي الفقيه إلى يوم نهايته، فلم ينفع كذب جوزف غوبلز ودعاياته، ولا خطابات أدولف هتلر وحركاته المسرحية في منع وصولها إلى مصيرها المحتوم.