كتبت نجلة حمود في “السفير”: سلطّت حادثة تفجير منزل المواطن حسين أبو بكر من بلدة فنيدق، في سهل القموعة، الضوء مجدداً، على الخلاف العقاري القائم بين بلدتَي عكار العتيقة وفنيدق في شأن ملكيته. فعلى الرغم من توحد القوى والفاعليات الاجتماعية والسياسية في بلدتي عكار العتيقة وفنيدق على إدانة العمل التخريبي الذي استهدف منزل أبو بكر، إلا أنّ الطرفين تبادلا التهم وإن بطريقة مبطنة تضمنت نوعا من الاتهام.
وبغض النظر عن الخلاف العقاري ووجهة نظر كلا الطرفين والتبريرات التي يمكن أن يقدماها، لجهة تأكيد ملكية سهلة القموعة، فإن الثابت أن موضوع فض النزاع العقاري بات أكثر من ضروري، وتحديداً لجهة وقف التعديات المنظمة التي تستهدف أشجار المنطقة المعمرة والفريدة من نوعها.
وقد ازدادت التعديات على الغابات على الرغم من وجود مركز للجيش عند مدخل القموعة، إلا أن عمله لجهة تغطية المنطقة يبقى محدوداً للغاية، في ظل إتساع الغطاء النباتي. وقد باتت الحاجة ملحة إلى معالجة جذرية حفاظا على ما تبقى من ثروة نباتية، ومنعا من تطور الخلاف المستشري بين أبناء المنطقة الواحدة. وتتصل القموعة بمحيطها، من خلال حدودها الشاسعة الممتدة من منطقة أكروم عند الحدود اللبنانية ــ السورية مروراً بعندقت، القبيات، وعكار العتيقة التي تحدها من جهة الجنوب، وفنيدق التي تحدها من جهة الشرق، كما تتصل مع قضاء الهرمل من جهة قلعة عروبا.
وتتربع القموعة فوق القرى العكارية، إذ تتدرج في الارتفاع من 1500 حتى 1700 متر عند السهل الفريد من نوعه في حوض المتوسط لجهة ارتفاعه، وكونه مزنراً بمجموعة من التلال والهضاب التي تلفه بشكل شبه دائري، وتغطيه الثلوج شتاءً، بينما يتحول إلى بحيرة طبيعية في الربيع، وتتشكل المياه بفعل ذوبان الثلوج التي تغطي المرتفعات المحيطة بها، وأبرزها تلة قلعة عروبا التي يصل ارتفاعها إلى 2300 متر، وهي خزان مائي لمحافظة عكار بأكملها، تنبع منه الأنهر الرئيسية في المنطقة (نهر موسى، والنهر الكبير الجنوبي، والاسطوان…).
وتضم المنطقة أكثر من أربعين نوعاً من الأشجار الحرجية وعدداً كبيراً من أشجار الأرز التي يصل عمر بعضها إلى نحو ألفي سنة، إضافة إلى أشجار الشوح والعرعر النادرة التي يصل ارتفاعها الى نحو ثلاثين متراً ويبلغ قطر بعضها ستة أمتار، وغابة العذر التي تضم نحو أربعة آلاف شجرة سنديان من فصيلة «آرون أواك» الكثيفة والعملاقة، فضلاً عن غنى المنطقة بالثروة الحيوانية، والآثار التي تعود إلى العهود الفينيقية والكلدانية والرومانية والبيزنطية والعربية، والكهوف التي بقيت مأهولة حتى العهد الإسلامي.
لذلك كلّه، ونظراً لأهمية المنطقة من الناحية الطبيعية والبيئية والحيوانية، ترتفع الأصوات المطالبة بإعلانها محمية طبيعية، والمحافظة عليها من أعمال القطع المستمرة والممنهجة التي تطال أشجارها النادرة، إذ سجل في العامين الماضيين قطع ما يزيد عن 400 شجرة من أشجار الشوح، والعرعر، والسرو.
كما أنّ الزائر يلحظ مدى التبدل الحاصل في المنطقة التي تم فيها إنشاء بعض المنتجعات السياحية، من مطاعم، ومدينة ملاهٍ، ومحال تجارية، إضافة إلى المقاهي المنتشرة في أرجائها. كما أن العديد من مشاكل التلوث الناتجة من رمي الأوساخ ومخلفات الزوار بدأت تظهر في المنطقة وتشوه جمالها، إضافة الى قيام العديد من المواطنين والرعاة باستعمال الأراضي المجاورة لها كحظائر للحيوانات.
ويبدو واضحاً أنّ تلك المنطقة لم تحظ بأي اهتمام من الجهات المعنية، بالرغم من صدور العديد من القوانين القاضية باعتبارها محمية، إلا أنها بقيت أسيرة الأدراج وسط غياب الوزارات المعنية، واستهتار نواب المنطقة بالموارد الطبيعية.
ويشير رئيس «مجلس البيئة في عكار» الدكتور أنطوان ضاهر إلى «أن غابات القموعة ما زالت تصنف من أهم الغابات الموجودة في منطقة حوض البحر المتوسط، نظراً إلى غناها الإيكولوجي وتعدد أصناف أشجارها، إضافة إلى مئات أصناف النباتات الحرجية والحيوانات والحشرات والفراشات النادرة».
ويلفت إلى «أننا كمجلس بيئة بتنا فعلاً قلقين من تزايد وتيرة التعديات على أشجار المنطقة والعبث بكنوزها، حيث سجل في العامين الماضيين قطع ما يزيد عن 700 شجرة معمرة. نتيجة الخلاف العقاري إذ إن الطرفين يتقاذفان التهم في شأن الجهة المسؤولة من الدون التمكن من ضبط الأمور».
ويشدد على «ضرورة الإسراع في حل هذا النزاع العقاري القائم، وإعلانها محمية طبيعية يحظر العبث بمكوناتها وثرواتها النادرة، خصوصاً أن القموعة ملك عام لكل اللبنانيين ويجب إنهاء الصراع على ملكيتها».