#adsense

الطريق إلى الجمهورية

حجم الخط

كتب نجم الهاشم في مجلسة “المسيرة”: لم تتوقف الحرب في العام 1990. أوقفها سمير جعجع في العام 1987. ولكن ميشال عون أشعلها. عندما كان السلاح لا يزال هو الحاكم وعندما كان سمير جعجع قائد “القوات اللبنانية” التي تمتلك أهم ترسانة عسكرية بين الأطراف الداخلية اتخذ قرار إنهاء الحرب. اعتبر جعجع وهو في عز قوّته وإمساكه بالقرار العسكري والسياسي أن الحرب باتت عبثية. وإذا كان الإنتصار فيها مستحيلا فلماذا نظل نتقاتل ولماذا لا تنعم خطوط التماس بالهدوء في انتظار أن يحين موعد حل الأزمة اللبنانية.

منذ بداية العام 1987 هدأ الوضع العسكري وانصرف سمير جعجع إلى المشاريع الإجتماعية: نقل عام، عمليات قلب مفتوح، نهضة إقتصادية، لا قنص، لا قصف، لا اشتباكات. صارت المعارك في مكان آخر. عمليات خطف للأجانب، تهجير للسفارات التي لجأت إلى المناطق الشرقية التي كانت تنعم بالأمن والإزدهار الإقتصادي وباتت تمثل صورة لبنان الذي يجب أن يكون. الصورة التي يريدها سمير جعجع.

أصبح العماد ميشال عون رئيسا للحكومة العسكرية الإنتقالية في 23 أيلول 1988. وبدل أن يؤمّن انتخاب رئيس للجمهورية ذهب إلى حروب عبثية جديدة. من حرب التحرير إلى حرب الإلغاء. كان اتفاق الطائف محاولة جديدة للخروج من تلك الحروب إلى سلم أهلي جديد وإلى جمهورية جديدة. لكن اغتيال الرئيس رينيه معوّض الذي كان على قياس الطائف أسقط حلم قيام الدولة وأسّس لعهد الوصاية السورية على لبنان.

اليوم بعد انتهاء عهد الوصاية يلوح في الأفق الجديد حلم استعادة الدولة والجمهورية من خلال رئاسة الجمهورية ومن خلال سمير جعجع. لعل تاريخ 25 ايار يكون بداية جديدة للبنان ويضع حدا لانهيار الدولة والمؤسسات.

ليس غريبا أن يترشح سمير جعجع لهذا المنصب. دائما كان يبتعد عن المناصب الرسمية ويعتبر أن دوره الأساسي يكون داخل “القوات اللبنانية” دفاعا عن الجمهورية. رفض أن يكون وزيرا عندما تمت تسميته في العام 1991 ولم يقبل أن يكون جزءًا من السلطة وبقي يرفض تغيير صورة لبنان على رغم الثمن الكبير الذي دفعه. ولكن اليوم الوضع مختلف. وقد يكون الوقت مناسبا لوضع نهاية جديدة للحروب الداخلية.

ترشيح سمير جعجع إلى رئاسة الجمهورية ليس مناورة. قد يعتقد البعض بأنه كذلك، وبأن سمير جعجع يحلم بالمستحيل على أساس أن المرحلة لا تحتمل رئيسًا حازمًا حاسمًا، وتفترض تسويات مستمرة وأن الجمهورية ستبقى مترنّحة بين الإنهيار والإستقرار من أجل أن تبقى شبه جمهورية وشبه دولة، تستوعبها دويلة “حزب الله” التي تمثل اليوم بديلا عن دولة الوصاية السورية.

ولكن سمير جعجع الرئيس هو من أجل أن تعود الجمهورية. ومن أجل أن تقوم الدولة وتستوعب الدويلة ومن أجل وضع حد للإنهيار. لا يريد الرئاسة من أجل الرئاسة بل من أجل الجمهورية. ثمة قناعة اليوم بأن لبنان لا يمكن أن يستمر في عملية تغطية مشاكله الحقيقية. لا وحدة داخلية. انقسام سني شيعي. “حزب الله” يقاتل في سوريا. عمليات انتحارية في الضاحية والهرمل. سيارات مفخخة. حدود فالتة. انهيار إقتصادي. تدهور أمني. خوف من انتقال الحرب السورية إلى لبنان. نازحون سوريون قد يصلون إلى أكثر من مليونين. عمليات خطف. خطوط تماس في قلب بيروت وفي طرابلس وفي صيدا وحول المخيمات. مناطق منغلقة على ذاتها. طرقات مقطوعة تجعل البلد مقطع الأوصال. جيش مستنزف في عمليات منع الإنهيار.

ما هو المخرج من هذا الوضع؟ عمليات الترقيع لم تعد تجدي نفعا ولا بد من عملية جراحية ولعل رئاسة الجمهورية هي المدخل المناسب للإنقاذ.

في عرف سمير جعجع أن المسألة تحتاج إلى نقلة نوعية وتغيير جذري وأن الهروب من المشكلة الحقيقية ومن هذا الواقع ينهي لبنان، وأن المطلوب خوض هذه المعركة من أجل لبنان.

الوصول إلى الدولة يحتاج إلى رجال دولة وإلى قرار بالمواجهة والمسألة لا تحتمل أنصاف الحلول. فالخلاف في لبنان ليس على التوقيت الصيفي أو الشتوي. وليس على سعر ربطة الخبز أو على تحديد ساعات العمل أو الضريبة. الخلاف أكبر وأعمق. ومن أجل تجاوزه لا يمكن أن تكون الحلول نص نص. لا يوجد نصف محمود حايك متهم بمحاولة اغتيال النائب بطرس حرب لنبحث إذا كنا نوقفه أو لا نوقفه. ولا يوجد أنصاف متهمين باغتيال الرئيس رفيق الحريري لنختلف على ما إذا كانوا قديسين أو مذنبين. ولا يوجد نصف أمن حتى نقبل باستمرار “حزب الله” بسلاحه وبذهابه للقتال في سوريا.

هناك خوف من المواجهة مع “حزب الله” وإذا استمر الوضع كما هو فالهرب من المواجهة ستكون نتائجه أخطر على لبنان. وعلى 14 آذار أن تأخذ المبادرة من أجل أن تخوض هذه المواجهة. ثمة وهم كبير حول هذا الموضوع. وهم يسقط اصحابه في الإنهزامية. لا يستطيع “حزب الله” أن يمنع العملية الديمقراطية بالقوة. زمن القمصان السود وزمن 7 أيار يجب أن ينتهي ولا يمكن أن يبقى سيفا مسلطا على رقاب اللبنانيين. ما حصل في الخطة الأمنية في طرابلس ليس مزحة. عندما تكوّنت بوادر قرار من هذا النوع لم يعترض “حزب الله”. وعندما قررت قيادة الجيش حسم الوضع في مخيم نهر البارد لم يمنعها “حزب الله” على رغم أن أمينه العام كان أعلن أن المخيم خط أحمر. “حزب الله” لا يستطيع أن يواجه الشرعية التي تتمتع بقوة الدعم الشعبية ولا يمكنه أن يتصدى للجيش اللبناني في ظل قرار سياسي. لذلك المطلوب اليوم رئيس بحجم المرحلة.

لقد أثبتت مواقف الرئيس ميشال سليمان الأخيرة أن الرئاسة ليست مجرد منصب في الدولة إنما هي صاحبة القرار. وليس صحيحا أن الطائف جعل الرئاسة من دون صلاحيات وإلا لماذا كل هذه الحملة على الرئيس ولماذا كل هذه الحرب حول الرئاسة؟ إن رئيسا مالكا لقراره قادر على بسط سيادة الدولة على كل لبنان مع حكومة وأكثرية نيابية مؤمنة.

ربما هذه مهمة 14 آذار اليوم. لا يمكن لهذه القوة أن تخسر المعركة من دون أن تخوضها. في ظل موازين القوى الحالية هي قادرة على المواجهة. المهم أن تبادر لا أن تنتظر التسويات. صحيح أن هناك تجاهلا دوليا للوضع الداخلي في لبنان وأن الهم منصب حاليا على الوضع في سوريا وعلى منع تفجير الساحة اللبنانية. لكن العالم لا يمكنه إلا أن يواكب عملية التغيير عند حصولها، ولو انتظرت 14 آذار قرار العالم لما كانت نزلت في 14 آذار إلى الشارع وانتصرت. اليوم مطلوب إعادة تثبيت هذا الإنتصار من خلال رئاسة الجمهورية. هذه الفرصة لا يجب أن تضيع. ومن خلالها يجب تأمين التوازن الإستراتيجي  مع سلاح “حزب الله” من أجل أن لا يبقى هذا السلاح خارج سلطة الدولة، ومن أجل ألا يكون وسيلة لخطف الدولة وقرار اللبنانيين وأخذهم إلى حروب لا إرادة لهم فيها ومن أجل أن يتم إنقاذ “حزب الله” من انخراطه في الحرب السورية.

ضمن هذا الإطار يتم تجنب سعي فريق من اللبنانيين إلى التسلح للتصدي للحزب. لا شك في أن البعض يريد أن يسلك هذه الطريق وقد ظهرت ملامح مثل هذا التحوّل الذي يهدد بحرب أهلية جديدة أراد سمير جعجع أن يخرج منها في العام 1987. الرئاسة القوية هي الطريق إلى تجنب حرب أهلية جديدة. سمير جعجع في الرئاسة يمنع وقوع هذه الحرب وينقل المواجهة إلى مكان آخر بين الدولة والدويلة. على 14 آذار أن تعرف أهمية هذه المعركة لأنها الطريق الأسرع إلى الإنقاذ. هناك صعوبات؟ صحيح. ولكن من الأفضل أن تخوض 14 آذار المواجهة من مواقعها الشرعية أولاً وليس من شارع مقابل شارع.

ترشيح سمير جعجع يعطي لمعركة الرئاسة معناها. المسيحيون معنيون اليوم بهذه المعركة ولم يعد يهمهم أي رئيس كان يصل بأي طريقة كانت إلى قصر بعبدا. لا يمكن أن يكون الرئيس الجديد تحت السقف الذي رفعه الرئيس ميشال سليمان ولذلك تشن الحرب عليه ويتم التهويل عليه حتى بعدما يترك القصر. موقف بكركي لم يعد يقبل التراجع. المطلوب اليوم تأمين نصاب مسيحي أولا لجلسة الإنتخاب وأي فريق يسعى إلى تعطيل هذا النصاب يصبح تلقائيا خارج المعادلة الشعبية.

في العام 2007 خافت 14 آذار فحصل الفراغ مع أنها كانت تملك الأكثرية. فماذا حصل؟ عملية 7 ايار وتفاهم في الدوحة. لذلك لا يجوز أن يتكرر مثل هذا الأمر اليوم في استحقاق 2014. إنها بداية الطريق إلى الدولة القوية وإلى الجمهورية القوية. إنها فرصة الإقدام مع سمير جعجع. المسألة تحتاج إلى قرار وإلى رجل قرار وإلى رئاسة.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل