اللبناني لا يولد لبنانيّاً، بل يولد ابن عائلة وطائفة ومنطقة. ويتعلّم باختبار المحَن أن يكون لبنانياً. في لبنان ليس ثمّة مؤسسات أو قوى سياسية أو تنظيمات اجتماعية تعلّمنا كيف يكون الانتماء للوطن بديهيّاً، مثل حيازة شهادة الميلاد. ولأنّ هذا البلد هو البلد الوحيد، على الأقلّ في المنطقة العربية، الذي يصبح فيه المرء مواطناً بالاختبار والتعلّم لا بمجرّد الولادة في ربوعه وتحت سلطان دولته، فإنّ الحاجة إلى تشكيل تيار سياسي يقدّم الانتماء للبنان على الانتماء لطوائفه ومناطقه وفئاته الإجتماعية، تبدو أكثر من مُلحّة.
مثل هذا التيار السياسي لا يطمح أن يلغي، ولا يريد أن ينفي الاختلافات الطبقية والمناطقية والمذهبية بين اللبنانيين، لكنّه يريد أن يجعل الاهتمام بالشأن العام مشروطاً بعبوره بين الطوائف والفئات والمناطق والأفكار.
لبنان أوّلاً يعني أوّل ما يعني، أنّ مصلحة البلد العليا تقع موقعاً رفيعاً يفوق في رفعته موقع الطوائف والتيارات السياسية والانتماءات المناطقية أو الحزبية. هذا تجمُّع لا يطمح أن يكون حزباً في مواجهة أحزاب أخرى، وهو أيضاً لا يطمح أن يحلّ محلّ القوى الطائفية والفئوية والمناطقية.
إنّه يطمح لخوض صراع مُجدٍ معها، مقدّماً مصلحة لبنان على مصالحها. أمّا الحديث عن مصلحة لبنان وتحديد الأساسيات التي تقوم عليها ومبادئها العامّة، فهو أمر لا يدّعي هذا التجمّع أنّه يحتكره احتكار العارف المتفوّق، ذلك أنّ مصلحة لبنان العليا من الأمور التي يمكن أن تخضع لاجتهادات ومناقشات، لكنّ تلمّسها ومقاربتها لا يتمّان من موقع فئوي، يغلّب الهواجس الفئوية لمنطقة أو طائفة أو فئة اجتماعية على الهواجس العامة والتحدّيات التي تحفّ بالبلد من كلّ جانب.
هذه التحدّيات لا يمكن تعيينها من دون اعتبار جدّي للهواجس المختلفة، والعمل على معالجتها والدفع باتّجاه استقرارها.
التحدّيات الخارجية والداخلية التي تجبه لبنان لم تكن يوماً ولن تكون موجّهة ضد فئة بعينِها دون فئة أخرى، فالحروب يدفع أثمانَها جميع اللبنانيين، والازدهارُ الاقتصادي تعمّ فوائده على الجميع، والأزمات المعيشية تطاول الجميع بسيفِها. واحتلال جزء صغير من البلد يعطّل قدرة الدولة على تحقيق سيادتها التامّة على أراضيها.
ولأنّ المصير مشترك ينبغي أن يكون التخطيط للمستقبل مشتركاً، والانتماء إلى البلد همّاً عامّاً لا يفرّق بين مسلم ومسيحي أو بين ذكر وأنثى أو شيخ وطفل.