المقهورون
ربيع يعقوب
ربيع يعقوب
يبدو أن إصرار جمهور قوى الأكثرية على إبراز أكثريته برغم الطقس العاصف والأمطار الغزيرة عكس قهراً عونياً تبدّى جلياً من خلال الكذب الفاضح والمعتاد، الذي نشره موقع التيار العوني الإلكتروني. ولربما أن أولى الأسباب التي دفعت العونيين الى الموت من غيظهم هو هذا الحشد الشعبي لقوى الاستقلال الذي تدفق وكأن لا شتاء يهطل عليه أو هواء يلفح أبدانه المبتلة، حتى ليتصور المرء أن هؤلاء الذين تخطت أعدادهم المليون والذين ابقوا الأرض تحتهم جافة بفعل احتشادهم وتلقيهم للمطر آتون من بلاد الإسكيمو في آلاسكا أو من سيبيريا.
والظاهر أن تحدي قوى الإستقلال للمطر متسلحين بإيمانهم القوي بقضيتهم، جعل العونيين يقيمون مقارنة بسيطة في أذهانهم بين ما قامت به جماهير الرابع عشر من آذار عبر تحديها للمطر وبين محاولتهم لإحياء ذكرى 13 تشرين في تشرين ما قبل الماضي، حيث إن زخات مطر قليلة أحبطت عزيمة مناصري التيار العوني فلم يصل إلاّ ألف منهم الى مكان الإحتفال، في وقت كانوا يمنون النفس بمئة ألف وأكثر. فاستحقوا حينها لقب المناصرين الكرتون، كون لا قضية لديهم تدفعهم لتحدي المطر، بل يدفعهم شبق رئاسي لرجل متوهم القيادة ربحهم بالعطف وخسرهم عند استحقاق المطر.
الموقع الإلكتروني العوني الذين بدا محرروه وكأنهم ينتعلون أحذيتهم في رؤوسهم كي يحجبوا الحقيقة عن أعينهم، نشر جملة أكاذيب قصد بها تضليل ما تبقىّ له من مناصرين خصوصاً أن هؤلاء المناصرين وبفعل خوفهم من اكتشاف حقيقة يكرهونها، “يبصمون على العمياني” كما يقول المثل العامي، ولا يكلفون أنفسهم عناء التحقق من المعلومات أو البحث عن التناقضات أو التحليل الصحيح. ونحن في ما سنقوله لا نهدف الى توعية هؤلاء بل الى كشف الحالة المزرية التي وصل إليها قياديو هذا التيار من الناحية الشعبية والتي دفعتهم وتدفعهم الى الكذب السهل اكتشافه.
فهذا الموقع مثلاً نشر في باب “آخر خبرية”، أن “وكالات الأنباء الغربية من “رويترز” و “أ.ف.ب”، وصفت المشاركة الشعبية في ذكرى الرئيس الحريري بعشرات الآلاف”. ولدى تحققنا من المواقع المذكورة تبين لنا أن ال”أ.ف.ب” مثلاً وصّفت الحشود بمئات الآلاف وليس بالعشرات، ناقلةً عن وزير الداخلية اللبناني أن نحو مليون شخص تجمعوا في ساحة الشهداء بينما وصّفت المشاركين في تشييع مغنية بالآلاف. هذا الكلام يدحض كذب الموقع العوني.
وبالإنتقال الى وكالة “رويترز” فإنها اكتفت بالقول أن “وزير الداخلية قدّر الحشود بأكثر من مليون وأن مصادر أخرى وصفت الحشود بعشرات الآلاف، من دون أن تتبنى أي من الرقمين”. وهذا دحض آخر لكذب موقع العونيين.
وبمقابل نشره لكذبة عشرات الآلاف فإن الموقع وفي تناقض ظاهر نشر في 10،17 أن “آلافا من عناصر الإنضباط في تيار المستقبل ينتشرون في ساحة الشهداء على مرأى من القوى الأمنية”. وكان قصدهم من هذا، الغمز من قناة القوى الأمنية، لكن هذه المعلومة تبين بشكل واضح أن آلاف عناصر الانضباط لا يمكن أن يتواجدوا لأجل بضعة عشرات الآلاف بل لحشد أكبر من ذلك بكثير.
وفي تناقض آخر نشر هذا الموقع، في 9.23 صباحاً أن “التدفق الرئيس للوفود الشعبية هو من منطقة الشمال”. ومن ثم نشر في الساعة الثانية عشرة ظهراً، “أن حركة السيارات في طرابلس شبه طبيعية ما يشير الى أن المشاركة الطرابلسية ضئيلة”. هنا نلاحظ كيف أن موقع التيار ناقض نفسه في ظرف زمني لم يتعدَّ الثلاث ساعات، كما نلاحظ أن كلامهم عن السير الطبيعي في طرابلس أتى في الساعة الثانية عشرة ظهراً، أي في وقت كانت الوفود قد انطلقت قبل ذلك بكثير، فيكون كلامهم إذاك لزوم ما لا يلزم، فمن الطبيعي أن تكون حركة السير عادية وحتى معدومة أيضاً، إذ أن الجماهير كانت قد خرجت وقتها من الشمال لتشارك في الذكرى.
لا ندري إذا كان هناك من داعٍ للتحدث عن التمثيل المسيحي بعد إحياء الذكرى الثالثة لاستشهاد الرئيس الحريري، فكل ما شاهدناه على شاشات التلفزة وكل ما رأيناه بأم العين من خلال مشاركتنا في إحياء الذكرى، يثبت بما لا يقبل الشكّ أن الرأي العام المسيحي أصبح في وادٍ بعيد تماماً عن وادي هؤلاء الذين يدعون تمثيله. لذا فإن الإستعجال في إجراء انتخابات نيابية مبكرة بعد الإنتخابات الرئاسية أصبح ضرورياً لا بل واجباً وطنياً وأخلاقياً ستنتهي معه بلا شك المتاجرة بالمسيحيين التي طالت كثيراً. فالجموع المسيحية المميزة بشاراتها بقيت تتوافد الى ساحة الشهداء في وقت كان الآلاف يعودون منها الى بيوتهم، حتى أن وفوداً وصلت من منطقة القبيات الى منطقة الدورة حوالي الساعة الثانية بعد الظهر وعادت أدراجها دون أن تصل الى ساحة الشهداء.
بعد الإنتخابات النيابية الأخيرة كان عقل المسيحيين مع 14 آذار وقلوب بعضهم مع العونيين. واليوم أثبت هؤلاء أنهم تجاوزوا خيانة العونيين لعواطفهم وخرجوا من أزمة العاطفة وذهبت قلوبهم الى حيث عقولهم الى حيث قوى الإستقلال…