#dfp #adsense

بين ثوابت “الحكيم” ومتغيّرات “الجنرال”

حجم الخط

عند مقاربة موضوع التنافس السياسي  بين رئيس “التيار الوطني الحر” ميشال عون ورئيس “القوات اللبنانية” سمير جعجع، ومع اقتراب موعد انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية، علينا التحلي بالوعي والترفّع عن الحقد لأن الأوطان لا تبنى بالأحقاد والأحقاد المضادة وحروب المئة عام التي لا تنتهي. ولكن في الوقت نفسه، لا تبنى الأوطان بالذاكرة المجوّفة والوعي المشوّه.

فرغم الهستيريا التي المّت بالعونيين ووسائل اعلامهم فور اعلان الدكتور سمير جعجع ترشيحه، ليس هدفنا نبش القبور ونكء الجراح، انما عرض الوقائع انصافاً للحق والحقيقة، ولمساعدة الرأي العام المسيحي واللبناني على عدم الوقوع في التضليل من الآن وصاعداً، وتحديد خياراته السياسية المستقبلية مع من هو قادر على صون استقلال لبنان وسيادته ودستوره، ومحاسبة من يفرّط بحقوقه ومكتسباته ويتلاعب بالثوابت والمفاهيم التي بُني عليها هذا الوطن، وهنا بيت القصيد.

ما سنعرضه ينسجم مع المنطق وسيلمس القارئ هذا الأمر لمس العقل والقلب، وخصوصاً ان الحوادث التي نعيشها حالياً تفضح ما كان مستوراً من رهانات الأمس القريب والبعيد.

شاء القدر أن يصل رجلان متناقضان في الشخصية والطباع والاستراتيجية والتكتيك والنهج إلى مركز القرار السياسي المسيحي واللبناني في مرحلة زمنية واحدة: ميشال عون وسمير جعجع. هما خطان متوازيان لا يلتقيان ولا يمكن ان يلتقيا ابداً… بل هما يجسّدان صراعاً مستمراً بين البشر منذ بداية الكون، صراع بين الميكيافيلية والمثالية، بين مبدأ الغاية تبرر الوسيلة ومبدأ الالتزام بالثوابت الوطنية مهما كانت التضحيات، ولائحة التناقضات بين الرجلين تطول وتطول.

بلغ الصراع بينهما ذروته خلال عامي 1988 و1990، لا وجود للقديسين والطوباويين في أي حرب، لكن حتماً هناك وقائع عاشها بعض من كانوا مقربين من الرجلين، تبيّن فيها أنّ ميشال عون كان يدّعي أنه يقاوم الإحتلال السوري للبنان، الى أن ظهر لاحقاً أنه لعب دوراً أساسياً في جعل لبنان يقع تحت السيطرة السورية في العام 1990.

أدرك جعجع أهداف عون، ورغم محاولاته تجنيب المسيحيين معركة كسر عظم، الا انه قرر المواجهة عند محاولة الغاء المقاومة. وأمام محاولات قطع النفس السياسي التي كان يتعرّض لها جعجع نتيجة ضغوط عون على طريقة “أنا أو لا أحد” والتي اطاحت بالمنطقة الحرة يومها، وعندما لاحت بوادر حل سياسي يوقف الحرب الدامية ويمهّد لبناء دولة قرّر القبول باتفاق الطائف الذي أمّن فيه استمرار المناصفة بين المسيحيين والمسلمين، فكان مرة أخرى عائقاً امام طموح “الجنرال” الحالم بالرئاسة مهما كان الثمن.

 لم يستطع عون اكمال انقلابه، وبقي متمسكاً برفضه لإتفاق الطائف وتسليم قصر الرئاسة إلى الرئيس رينيه معوض مسهلاً على آلة القتل السورية التخلص من الرئيس اللبناني المنتخب الذي كان ينوي تطبيق “الطائف” أستناداً إلى التفسيرين اللبناني والعربي للإتفاق، وليس استناداً إلى التفسير السوري.

بعد خروج الجيش السوري من لبنان، بقي جعجع ثابتاً على مواقفه وملتزماً بقناعاته من خلال تحالفاته مع طوائف واحزاب تحمل اجندة سيادية وشعارها “لبنان اولاً”، تعمل على منع تحويل لبنان ساحة للصراعات وتناضل سلمياً من أجل الحدّ من التدخلات الايرانية والسورية في لبنان. أما العماد ميشال عون فلم يجد صعوبة في الانقلاب على مواقفه العلنيّة  التي كان ينادي بها قبل عام 2005، متحالفاً مع خصومه الذين رفعوا شعار “شكراً سوريا” في عزّ “ثورة الاستقلال”، وراح إلى أبعد من ذلك عندما اختار نهج وسياسة “الثورة الإسلامية الايرانية في لبنان”. وبقي سمير جعجع في ثباته، مقاوماً للمحور الذي يخدم عون مشاريعه وهو يغدق عليه وعوداً بتحقيق طموحه الكبير.

كان سمير جعجع عائقاً امام طموح عون عندما اراد إجراء إنتخابات رئاسية في مواعيدها بعد رحيل اميل لحود حتى لا يفرغ هذا الموقع الأول للمسيحيين في التركيبة اللبنانية، فيما العماد عون و”حزب الله” من خلفه، رفض تأمين النصاب لملء هذا الفراغ الدستوري الخطير تحت شعارٍ ابتزازي مرة أخرى: “أنا او لا احد”!

شكّل جعجع عقبة أمام عون عبر إستمراره في المطالبة بما طالب به المسيحيّون طيلة تاريخهم، بتحقيق السيادة وترسيم الحدود ووضع السلاح غير الشرعي تحت سلطة الدولة، لأن العماد عون تخلّى منذ زمن بعيد عن هذه الشعارات لمصلحة محور الممانعة والمقاومة تحت مظلة ايرانية-سورية. يتصرف جعجع بمنطق رجل الدولة والحرص على لبنان، فيما نرى عون يتصرف بمنطق زعيم قسم من الطائفة المسيحية.

الدكتور سمير جعجع “عاقل”، بل صاحب عقل راجح، سجن احدى عشر عاماً تحت الأرض وخرج من سجنه وقد ازداد رجاحة عقل وفكر. يظهر في اطلالاته الاعلامية بهدوء ووقار ومنطق وحجة سياسية بالغة في كلامه. أما العماد عون فَتطَغى على إطلالاته الإعلامية الكثيرة العصبية والتوتّر والصُراخ وترهيب الصحافيين ربما لأن ظلال الشخصية العسكرية خلال الحرب اللبنانية ما زالت عالقة في أعماقه. ولم تتغيير أي من هذه الصفات حتى بعد عَودتِه من مَنفاه الباريسي الذي أمضى فيه 15 سنة.

سمير جعجع، رجل سياسة، يخرج على اللبنانيين ويخاطبهم بكلام “واضح” لا “خطبجيّة” ولا شعبويّة، يعتمد نبرة هادئة وعقلانية شديدة، ومنهجية لافتة، في لحظة مفصليّة من تاريخ المنطقة الملتهبة. أما الجنرال “13 تشرين” فيحترف الخطاب الديماغوجي الشعبوي ذات النبرة العالية والصوت المرتفع مهدداً بالويل والثبور وعظائم الأمور.

يتخذ جعجع مواقف رجل الدولة، لذلك يتحدث بحكمة وهدوء ومنطق، ويحاول أن يقترح مخارج، ولا يتخلى عن الدفاع عن موقع لبنان الحرّ، السيد، المستقل، المنتمي إلى العالم الحر الذي يحترم حرية الشعوب وحقوق الانسان. أما العماد عون فأصبح يمتهن اللغة الخشبية نفسها لمحور الممانعة ودعم المقاومة حتى ازالة اسرائيل عن الوجود، أضاف اليها في الآونة الأخيرة فزاعة “التكفيريين” الذين صنعهم النظام السوري، إلى درجة ان المسيحيين باتوا يشعرون معه انهم يساقون كالنعاج في حماية نظام الأسد.

جعجع فضّل دخول السجن على دخول وزارة الوصاية السورية، فسجن تحت الأرض بعيداً عن الشمس وأخضع لممارسات تتنافى مع حقوق الإنسان، بينما عون اتخذ قرار الذهاب إلى السفارة الفرنسية، ومنها توجّه إلى باريس.

خرج جعجع من عذاب السجن ملتزماً بثوابته ومبادئه، فيما عاد عون من إقامته في باريس بعد أن تمت المقايضة بين رجوعه وانقلابه على مواقفه السابقة تجاه سوريا وعن مواقفه العقلانية لمصلحة مواقفه الطامحة لتبوء رئاسة الجمهورية أياً كان الثمن.

فالأول خرج من السجن متحرراً من اي احقاد او أخطاء سابقة وملتزماً بمشروع إعادة إحياء الدولة ومؤسساتها. أما الثاني فدخل الفندق وانقلب على مواقفه السابقة وسار على طريق دمشق وايران لبلوغه سدة الرئاسة، وها هو اليوم، ومع اقتراب الاستحقاق الرئاسي، يقوم بإنعطافة نحو تيار “المستقبل” محاولاً كسب الود في اللحظة الأخيرة بعدما قال فيه ما لم يقله مالك في خمرة!

الاول خطه البياني واضح وواحد منذ السبعينات وهو العمل من أجل لبنان الـ 10452 السيد الحر المستقل، والذي اتسعت مروحيته مع “ثورة الارز” ورفع شعار “لبنان اولاً” و”العبور الى الدولة”. والثاني من “هز المسمار في نعش سوريا” وثم الطموح الى ان يكون “ضابط صغير في جيش الاسد”، ومن “قبطان السفينة” الى لاجئ الى السفارة الفرنسية في زمن الحرب، الى “الكتاب البرتقالي” والانقلاب عليه و”الابراء المستحيل” والاطاحة به في هذا الزمن السلم… المعادلة واضحة: ثوابت “الحكيم” ومتغيّرات “الجنرال”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل