هناك أجواء داخل «المستقبل» تدعو إلى ترك الاستحقاق للحلفاء المسيحيين، لكي يقرّروا ماذا يريدون ومَن، وهذه الأجواء تميل إلى تعزيز مفهوم استنهاض الدور المسيحي، كما مفهوم إعادة الاعتبار إلى لبنان الوطن، الذي ساهم المسيحيّون في صنعه على قاعدة أن يكون بلد الحرّية والتفاعل بين الأديان، ولن يكون بالإمكان إعادة ضخّ الحياة إلى هذا المفهوم من دون ضخّ حيوية لدى المسيحيّين، بدءاً من معركة الرئاسة الأولى.
يجلس تيار «المستقبل» في المقعد الخلفي في معركة الرئاسة. الجميع الآن وراء جعجع. النوّاب المسيحيون في كتلة «المستقبل» سيصوّتون، النواب المسلمون سيصوّتون، والجلسة الأولى التي يفترض أن يحدّدها الرئيس نبيه برّي تنتظر، والسؤال: ما هي خريطة القوى التي ستفرزها هذه الجلسة، وماذا سيحصل بعد تعذّر انتخاب الرئيس من الجلسة الأولى؟
لا يقتصر الجواب على هذا السؤال باستعراض الأحوال داخل فريق «8 آذار»، بل بإلقاء نظرة على معضلات بين الكتائب و»القوات» لم تُحَلّ إلى الآن.
تتمسّك الكتائب بترشيح الرئيس أمين الجميّل، وتعلن في الغرف المغلقة عدم القبول بترشيح جعجع، ويكشف بعض المُطلعين عن نيّةٍ بعدم التصويت لجعجع، حتى لو لم يستمرّ الجميّل في ترشيحه.
الاتصالات الفعلية بين الطرفين لم تبدأ. سُعاة ووسطاء يستعدّون لعرض صفقة متكاملة، لكنّ كلّ ذلك يصطدم بحسابات الماضي والمستقبل على السواء. علاقة الكتائب بـ»القوات» تراكمت سلباً في الأعوام الماضية، وبات الكلام قبل الاستحقاق محاولة لإصلاح ما يصعب إصلاحه.
في المقلب الآخر، لا يُعرف إذا كان قرار عون عدمَ الخوض في مواجهة جعجع نهائياً. الأرجح حينها ترشيح النائب سليمان فرنجية، الذي قد يرفض هو أيضاً أن يدخل في مختبر الجلسة الأولى، لمجرّد تسجيل رقم انتخابي نيابي، وترك الساحة فيما بعد لمرشّح «8 آذار» الفعلي العماد ميشال عون الذي يلبس موَقّتاً ثوب المرشّح المستقل.
فرضَ ترشيح جعجع تسريعاً كبيراً في دينامية الاستحقاق، العواصمُ المعنية ومنها الرياض، وباريس وواشنطن لم تقُل كلمتها بعد. لكن في الداخل هناك حراك متسارع على قاعدة التعامل مع الاستحقاق كأنّه حاصل حتماً. من هنا يأتي تهديد عون للحريري، الذي فُسِّر على أنّه تحذير من الذهاب إلى الفراغ في حال أصرَّ الحريري على تأييد جعجع، أو حتى في حال محاولة التوافق بعد الجلسة الأولى، على اختيار رئيس توافقي.
يصعب تصوّر ما بعد فشل الجلسة الأولى في انتخاب الرئيس الجديد، فكلّ الاحتمالات واردة ومن ضمنها الفراغ، أو رئيس التسوية، لكنّ نصاب الثلثين الدائم لانعقاد كلّ الجلسات، بات يستلزم إعادة احتساب كلّ أصوات الكتل، لمعرفة مدى قدرة تحالف المتضرّرين من تعطيل نصاب الجلسة الثانية أو الثالثة.