#dfp #adsense

من الفئوية إلى الوطن !

حجم الخط

من الفئوية إلى الوطن !

ثمة خيط رفيع بين التحفظ عن تطور ما في الموقف السياسي عند أي طرف، وبين أن يضع المتحفظون أنفسهم في خانة المتضررين من أي انفتاح أو تقارب بين المختلفين.
ولعل أسوأ ما كان يمكن سماعه بعد لقاء مصالحة في حجم اجتماع الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله ورئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط أو في حجم لقاء مرتقب بين السيد نصرالله وزعيم الغالبية النيابية المنتخبة سعد الحريري، أن يُطرح سؤال على طرف أساسي في المعارضة: "ماذا لو اتفق السنّة والشيعة على سلاح المقاومة؟ أين يصبح الدور المسيحي؟ وكيف سيكون؟".
وقد طرح هذا السؤال فعلاً قبل يومين من خلال برنامج سياسي في محطة تلفزيونية يملكها حليف لمن "تعرض" للسؤال المذكور. وهذا السؤال إن دل على شيء فعلى قلق بدأ ينتاب بعضهم من تقارب بين حلفاء لهم وآخرين من "العالم" الآخر!

وأما خلفية السؤال، وبعيداً من افتراض سوء النية أو الذهاب بعيداً في قراءتها، فهي التي تبعث على القلق. وهذا سؤال مبني في الاساس على خطأ، يرجّح أنه غير مقصود. هكذا يقضي افتراض حسن النية. وأما إذا كان مقصوداً وعن سابق تصور وتصميم فمصيبة ينبغي أن تعالج من خلال عملية إعادة تأهيل واسعة النطاق، أفقياً وعمودياً، ومن خلال التصدي لمناخ غير صحي يضخه بعضهم من خلال أدائه في توجيه محطة تلفزيونية أو وسيلة اعلام يمتلكها بموجب محاصصة متخلفة عمادها الطائفية وتوزيع المغانم والسعي الى مزيد من قالب الحلوى والمكاسب التي ترضي الطموحات الشخصية.
وأخطر الاسئلة هي تلك التي تبنى على خطأ. فسلاح المقاومة ليس مشكلة بين دروز وشيعة أو بين سنّة وشيعة أو بين موارنة وأرثوذكس أو بين مسلمين ومسيحيين. إنه عنوان وطني وموضوع مناقشة بين فئات سياسية مختلفة، اتفقت في النهاية على اعتماد الحوار طريقاً لمقاربة كل العناوين الكبيرة، فكيف إذا كان العنوان في حجم استراتيجية وطنية تتعلق بكيفية الافادة من سلاح المقاومة في مواجهة أي اعتداء اسرائيلي محتمل على لبنان؟

وعلى إيقاع بعض المواقف الحامية في اليومين الماضيين، ينبغي التذكير بأن التاريخ لا يبدأ مع أشخاص ولا ينتهي معهم. وبعض التواضع بات أكثر من ضروري ولاسيما من أصحاب مثل هذه المواقف. وفي احترام عقول الناس اقتراب من مواصفات القيادة أو الزعامة. وخلاف شخصين، وإن بلغا مستوى الاقتراب من الزعامة الحقيقية، أي على مستوى وطني لا فئوي، لا يجوز أن ينقلب خلافاً بين طائفتين، والا فإن خلافاً بين سياسيين من طائفة واحدة، ينبغي أن يجعلها طائفتين أو أكثر…
ومن المستغرب والمستهجن أن يكون هناك من يضع نفسه في موقع المتضرر من أي تقارب بين مختلفين، سواء أكانوا من طوائف ومذاهب مختلفة، أم من أبناء "الجنس" الواحد، ما أبشع التصنيفات الغريزية وكم هي ظالمة… وبئس مجتمعات سياسية لا يُبنى خطابها إلا على هذه التصنيفات!

لقد وضع الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله يده على الجرح في فقرة مهمة جداً في خطابه الاخير، إذ لفت الى أن "أخطر ما سمعناه في فترة الانتخابات هو الكلام الطائفي والعنصري"، وأشار في شكل خاص الى ما قيل عن فوز نواب مسيحيين بأصوات الشيعة والأرمن في بعض المناطق، وتحديداً في المتن وجبيل وجزين. وللمناسبة فإن كلاماً عنصرياً مماثلاً قيل في مناطق أخرى عن مرشحين مسيحيين فازوا بأصوات السنّة، يا للعار! نواب في لبنان يفوزون بأصوات متنوعة لم تكن حصراً أصوات بني قومهم وعشيرتهم وطائفتهم، مع أنهم "نواب الأمة"!
ولعل من الجائز القول في مكان ما أن هذا التكتل أو ذاك، قد استطاع جمع "كراسيه" في البرلمان بفضل رافعة حلفائه وبدعمهم. فهذا سلاح غير محرم. وأما أن يعيّر المسيحيون بفوزهم بأصوات مسلمة أو أن يعيّر المسلمون بفوزهم بأصوات مسيحية، فهذا إمعان في المضي قدماً، وهبوطاً نحو الهاوية. وهنا تبدو أهمية الحاجة الى قانون انتخاب "يعقلن" الانتخابات ويخرجها من دائرة "الغرائزية". وقاعدة النسبية تشكل أولى الخطوات نحو قانون عادل. هل يعقل مثلاً، أن ينال مئة في المئة من المقاعد من يحصل على 51 في المئة من الاصوات وألا ينال من يمثل 49 في المئة أي مقعد في البرلمان؟

وفي النهاية، لم يكن أحد مضطراً الى التوتر والانفعال والتصعيد في الخطاب السياسي بعد "هدوء نسبي"، وقد بلغ قبل يومين حد إشعار الناس اننا لا نزال عشية الانتخابات، ولاسيما أن الكل في النهاية سيسيرون "كالشاطرين" في سياسة الانفتاح والحوار والتعاون، وبعضهم قال ولا يزال يقول في الآخر ما لم يقله مالك في الخمرة!
وأخيراً، وللتذكير، فإن المصالحة تكون بين مختلفين. وأروع الحِكَم هي تلك التي توصي بعدم الذهاب الى النهاية في الخصومة كما في الحب، فكيف إذا كان الامر يتعلق بالسياسة، وفي لبنان خصوصاً؟!

المصدر:
النهار

خبر عاجل