“رئيس مقبول من الشعب ولا يُثير أزمة جديدة”!
معادلة، بل مفارقة، أطلقها البطريرك الراعي من بعيد(سويسرا)، أغرب ما فيها، ليس بعدها المكاني، بل السياسي والأساسي، عن بكركي.
بكركي نفسها، قبل أيّام، أصدرت بياناً دعت فيه إلى انتخاب رئيس قوي داخل “المكوّن” الذي ينتمي إليه. وفهم الجميع أنّ المقصودين هم أصحاب الحيثيّة التمثيليّة في البيئة المسيحيّة والمارونيّة تحديداً، وربما حصرهم في 4 هم رؤساء الأحزاب ذات الطابع الماروني.
ماذا تعني أوّلاً عبارة “رئيس مقبول من الشعب”؟
هل تعني أنّه يمثّل “المكوّن” الذي ينتمي إليه (الموارنة قبل سواهم)؟ أَم أن يكون مقبولاً من كلّ الشعب اللبناني؟
الجميع يدرك أنْ ليس هناك مَنْ يقبل به الشعب اللبناني بكلّ طوائفه وأحزابه، فالانقسام العمودي الراهن لا يسمح بهذا الترف. هنا شعب يقبل، هناك آخر يرفض، وهنالك ثالث رمادي.. فلذلك، يبدو القول برئيس يقبله “الشعب” كلاماً عاماً إنشائيّاً لا ينطبق على الواقع.
وفي حال الانقسام هذا، لا يمكن الركون إلى عبارة “قبول الشعب”، بل إلى اعتبارات أخرى، يأتي في طليعتها برنامج الرئيس وشخصيّته، والأسس التي سيبني عليها رئاسته.
وكي ترتاح بكركي وتُريح، يمكنها اعتماد معيار برامج المرشّحين، خصوصاً أنّها أطلقت مذكّرتها الوطنيّة بما فيها من أسس ومواصفات، فعليها أن تحوّل هذه المذكّرة إلى مقياس ومحكّ للمفاضلة، لا أن تذهب إلى تعابير غامضة تزيد المشوَّش تشويشاً.
أمّا عبارة “لا يُثير أزمة جديدة”، فتبدو أشدّ غرابةً، بل تغرّباً عن الحاجة اللبنانيّة الملحّة للحلّ.
وكأنّ البطريرك الراعي يضمّن عبارته رغبةً ما في مجيء رئيس يدير الأزمة، ويُبقي الوضع على حاله، فلا يتفاقم، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا!
لا أحد يميل إلى الظنّ بأنّ بطريرك الموارنة يفضّل إدارة الأزمة على حلّها. ولكنّ حلّها لن يكون برئيس غير مقدام ، أو لا يملك رؤية واضحة وحاسمة لسبل الخروج منها.
في الأصل، لا يمكن تصوّر حصول “أزمة جديدة”. فالأزمة القائمة عميقة، بليغة، شاملة، كاملة، “كافية” شديدة التعقيد. فهل هناك أسوأ وأخطر؟
تَحْتَ ستار التخويف من رئيس “يُثير أزمة جديدة” يكمن خطر الحفاظ على “القديمة” والاستمرار في التخبّط والتهرّؤ. وهكذا نكون ننقل لبنان من أزمة إلى أُخرى، ومن سيّء إلى أسوأ، كما فعلنا منذ 40 عاماً.
وبدل الهروب من “أزمة جديدة” مفترضة ومتوهَّمة، يجب الدفع نحو إحداث صدمة إيجابيّة بتقديم رئيس يملك الشجاعة والرؤية معاً لحلّ الأزمة القائمة، ولو كانت هناك قوى سياسيّة تتحفّظ عنه، أو ترفضه، حفاظاً على مصالحها وقوّتها وتمتّعها بامتياز غلبة السلاح.
حين ترشّح بشير الجميّل قبل 32 عاماً، خرج مَنْ يخوّف آنذاك من “أزمة جديدة”. وخلال أيّام، قَلَبَ الرئيس المنتخب الخوف إلى ثقة وأمل، وانعقدت حوله الإرادات، إلاّ إرادة من قرّر اغتيال لبنان، ولا يزال يُمعن في اغتياله.
الآن، يجب تغليب فكرة الرئيس – الحلّ، وليس التخويف من رئيس – أزمة “جديدة”! وبدون زرع هواجس تكرار التجربة السابقة ومصيرها بالإغتيال.
فلبنان في حاجة إلى رئيس – صدمة، لا رئيس – أزمة، ولا رئيس تسويات ظرفيّة وجزئيّة على طريقة ترتيب نقابة هنا، وحقيبة هناك، وسيبة مصالح هنالك.
وأشدّ ما يُثير السخرية السوداء، الترويج الذي حصل ل”التسوية” في نقابة المهندسين، واعتبارها نموذجاً لنجاح أحد الطامحين، في حلّ أزمة لبنان!
أبمثل هذه الذهنيّة العرقوبيّة العاملة تحت الطاولات بأسلوب تبادل المنافع، نُنتج رئيساً للبنان يسحبه من حالة الموت؟ مسكين لبنان، كيف ينظرون إليه ككشّة خرضوات!
إنّ الأزمة الجديدة الحقيقيّة والفعليّة ستكمن في رئيس من هذا الصنف التجاري البازاري، يضاعف الغرغرينا في الجسم اللبناني.
والمطلوب إسكندر جديد يقطع العقدة الغورديّة بسيف الحقّ.
رئيس- طبيب جرّاح، يستأصل الغرغرينا بحكمة النطاسيّ البارع وصاحب القلب الشجاع.