أعطى الدستور اللبناني رئاسة الجمهورية للطائفة المارونية ورئاسة مجلس النواب أي الرئاسة الثانية للطائفة الشيعية، ورئاسة الحكومة أو مجلس الوزراء للطائفة السنّية، وبناء على هذا التقسيم الطائفي صار من حق كل ماروني أن يطمح بالرئاسة الأولى، ومن حق كل شيعي أن يطمح بالرئاسة الثانية ومن حق كل سنّي أن يطمح بالرئاسة الثالثة ويعمل ليل نهار من أجل الوصول الى المركز الخاص بطائفته، لكن الدستور نفسه استدرك هذا التوزيع ليؤكّد في أكثر من مادة من مواده على نقطة أساسية وهي أن الرئيس الماروني بعدما ينتخبه مجلس النواب يصبح رئيساً للجمهورية وبالتالي رئيساً لكل اللبنانيين، وليس للطائفة التي ينتمي إليها وأن رئيس مجلس النواب الذي ينتمي الى الطائفة الشيعية هو رئيس لكل اللبنانيين ورئيس مجلس الوزراء السنّي ليس رئيساً لطائفته بل هو رئيس لكل الطوائف أي لكل اللبنانيين.
هذه الصيغة المركّبة اتفق عليها اللبنانيون بكل طوائفهم بعد نيل الاستقلال وسمّي هذا الاتفاق بالميثاق الوطني غير المكتوب وتمسّك به الجميع بعدما ارتضوه نظاماً وميثاقاً لهم، يعدل بين الطوائف، ويعطيها حقوقها كاملة، فلا تشعر أي منها بالغبن، ثم جاء اتفاق الطائف بعد حرب دامت خمس عشرة سنة يكرّس هذا الميثاق، ويؤكّد على التمسّك به مهما اشتدّت الخلافات بين الطوائف أو بين السياسيين الذين ينتسبون الى هذه الطوائف.
وقد حرصنا على التذكير بهذه المقدمة بمناسبة دخول البلاد في مهلة استحقاق الرئاسة الأولى، وحراك الطامحين بالوصول الى هذا المركز الأول في الدولة اللبنانية من أبناء الطائفة المارونية الذين يرون في أنفسهم المواصفات المطلوبة لاحتلال هذا المركز بموافقة ممثلي الطوائف الأخرى في المجلس النيابي، والتوقعات التي تطلق من هنا وهناك حول هذه المواصفات سلباً أو إيجاباً كما علت الأصوات والتصريحات من هنا وهناك أيضاً تتحدث عن الضرورات الوطنية التي تحتّم حصول هذا الاستحقاق في موعده وعدم ترك الباب مفتوحاً لدخول رياح الفراغ لما لذلك من مخاطر ليس على المركز المسيحي الأول بل وعلى الكيان برمّته.
وبين هذه وتلك بدأ المرشحون يطلّون من الباب أحياناً كما فعل رئيس حزب القوات اللبنانية أو ينتظرون للدخول من النافذة كما فعل غيره ومنهم على سبيل المثال العماد ميشال عون الذي امتنع عن إعلان ترشيحه كونه مرشحاً توافقياً، وبين هذا وذاك جاءت المفاجأة من بكركي ليعلن البطريرك بشارة الراعي من جنيف أن لا حظوظ لمرشحي 8 و14 آذار ويقصد ميشال عون وسمير جعجع للوصول الى رئاسة الجمهورية ويدعو ضمناً المعنيين من كل الطوائف للبحث عن مرشح توافقي في ظل الانقسام العمودي الحاصل في البلد، وأن اللبنانيين منقسمين بين 14 آذار و8 آذار.
فإلى ماذا يدلّ كلام البطريرك الراعي في ظل هذا الإنقسام، هل تراوده تجربة المطران مكاريوس الذي حكم قبرص لأكثر من عشرة سنوات، كونه يشكّل همزة الوصل بين كل الطوائف والتيارات السياسية والطائفية في لبنان، أم أنه ينتمي الى مدرسة المطران مكاريوس نفسها التي حكمت دولة قبرص التي هي أشبه ما تكون بدولة لبنان؟
مكاريوس لبنان
المصدر:
اللواء